وأَشار إلى المالي منها بقوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} .
ووجه الترتيب في الآيتين: أن الترك من قبيل التخلية، وأن الأفعال من قبيل التحلية، والأولَى تسبق الثانية، ولهذا قدم وصفهم بالمتقين على غيره من الأوصاف، لأن التقوى من قبيل التحلية، فهي أشبه بإزالة الأدران والأوساخ قبل التحلية باللباس النظيف الجديد الذي تشبهه سائر صفات المتقين. ويلي هذا ما كان عن عمل القلوب، وهو الإيمان بالغيب، إذ هو أساس قبول العمل الصالح، ولهذا لم يقبل من الكفار عمل مهما كانت صورته طيبة، لأنه لم يقم على عقيدة صحيحة قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} : ويلي ذلك العبادة البدنية التي ترجع فائدتها إلى فاعلها، وقد أشير إليها بقوله:
{وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} ثم العبادة المالية المتعلقة بغير فاعلها المشار إليها بقوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} ، أي على جهات البر.
والإيمان بالغبب هو التصديق والإذعان القلبى به، والمراد بالغيب ما غاب عن الحس من شئون الدين وقام الدليل على ثبوته، فافه تعالى لا تدركه الأبصار، وما يتعلق بالملإِ الأعلى أو بأحوال يوم القيامة، من بعث وحثر وحساب، غيب - فالإيمان بذلك كله ايمان بالغيب، ولا يتحقق الإيمان بدونه، وهو أساس لفروع الإيمان، ولهذا قدمه عليها.
جاء في تفسير ابن كثير جـ 1 ص 41 قال سعيد بن منصور، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بت عمير، عن عبد الرحمن بت يزيد، قال: كنا عند عبدالله
ابن سعود جلوسا فذكرنا اصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وما سبقونا به، فقال عبدالله: إِن أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - كان بَيِّنًا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد. قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب. ثم قرأ {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ... } إلى قوله: { ... الْمُفْلِحُونَ} .
وهكذا رواه ابن أبى حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه، من طرق عن الأعمش بهذا الإسناد. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولها يخرجاه.