قيل: الذي يوجب الحجة على المبعوث إليهم صدقه لا ما يثبت به
الصدق ، والآيات لا تتكلم فتخبر بالأمر والنهي وغيره عن الله ،
والمتكلم صاحب الآيات فإذا ثبت صدقه عند المخبر وجب عليه
تصديقه ، وقبول قوله فيما يحكيه عن غيره.
وقد دللنا في كتاب شرح النصوص على أن الساحر قد يجيء بمعوز من
الفعل ، وقوله كذب كله.
ولكنه لما جعل - تبارك وتعالى - في أطباع البشرية ألا يثبت عندها
صدق المخبِرين إلا بأمارات فيهم يسكن إليها قلوب المخبَرين جعل للرسل
آيات يتباينون بها سائر الخلق ، لتوكيد الحجة على المبعوث إليهم.
فأما لزوم الحجة فالصدق لا بالآيات ، فبأي شيء ثبت صدق المخبِر
عند المخبَر وجب قبول قوله عليه ولزمته الحجة به ، وإن لم يكن مثل آيات
الرسل.
أليس الله - جل جلاله - قد أمر بقبول قول العدل من الشهود على
ما يعرف - فظاهر عدالته وصدق لهجته - ولم يثبت صدقه عندنا بآية أوتيها
كآيات الرسول ،
وأبو حنيفة ممن يقول بخبر الواحد ، وقد ثبت عنده برواية هؤلاء
بأعيانهم الذين رد أخبارهم أخبار كثيرة وقال بها ، وجعلها حجة
لمذهبه.
أفيكونون عنده في حال صادقين ، وفي أخرى كاذبين ، فالآية حجة
على ممهد عذره بما لا عذر فيه بينة لمن تدبرها عليه.
قوله: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ(43)
حجة على المعتزلة والقدرية فيما يزعمون أن المقتول ميت بغير
أجله.
ذكر نقض ضلالة الضالين على أْلسنتهم.
وقوله تعالى إخبارا عن فرعون وملئه:
(فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ(47)
دليل على أن الله - جل جلاله - يجري نقض ضلالة الضالين على
ألسنتهم فلا يشعرون بها ، ولا أتباعهم ليحق كلمته على من قضى عليه
الشقوة.
ألا ترى أن فرعون مع ادعائه الربوبية قال مع ملئه: (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) ولم يحترز من تسمية نفسه بشرا ، وقد سماها ربا لا ملؤه.