{مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} ؛ أي: آتيناه الرشد، حين قال لأبيه آزر ولقومه، وهم مجتمعون: ما هذه الأصنام التي تقيمون على عبادتها وتعظيمها، وقد أراد - عليه السلام - ، بهذا السؤال، تنبيه أذهانهم، إلى التأمل في شأنها، وتحقير أمرها، متجاهلًا حقيقتها، وكأنه يومئ بذلك، إلى أنهم لو تأملوا قليلًا، لأدركوا أن مثل هذه الأحجار، والخشب، لا تغني عنهم قُلًّا، ولا كثرًا؛ أي ما هذه الصور التي أنتم عابدون لها، وكانت تلك الأصنام اثنين وسبعين صنمًا، بعضها من ذهب، وبعضها من فضة، وبعضها من حديد، وبعضها من رصاص، وبعضها من نحاس، وبعضها من حجر، وبعضها من خشب، وكان كبيرها من ذهب مكلَّلا من جواهر، في عينيه ياقوتتان، تتقدان، تضيئان في الليل.
والتماثيل: جمع تمثال، وهو الشيء المصوَّر، المصنوع مشبهًا بخلق من خلائق الله، والممثل المصوّر على مثال غيره. من مثلث الشيء بالشيء، إذا شبّهته به. والعكوف الإقبال على الشيء، وملازمته على سبيل التعظيم، لغرض من الأغراض، ضمَّن معنى العبادة، كما يدل عليه الجواب الآتي، ولذا جيء باللام دون على؛ أي: ما هذه الأصنام التي أنتم لها عابدون لها، مقيمون عليها. وهذا السؤال، تجاهل منه، وإلّا فهو يعرف أن حقيقتها حجر، أو شجر، اتخذوها معبوداً، فالاستفهام فيه، استفهام متجاهل.
53 -وقوله: {قَالُوا} كلام مستأنف، واقع في جواب سؤال مقدر، تقديره: قال إبراهيم لهم: أي شيءٍ حملكم على عبادتها؟ قالوا: {وَجَدْنَا آبَاءَنَا} وأسلافنا {لَهَا عَابِدِينَ} ؛ أي: عابدين لها، فنحن نعبدها اقتداء بهم، وهو جواب العاجز عن الإتيان بالدليل.
أجابوه بهذا الجواب الذي هو العصا التي يتوكأ عليها كل عاجز، والحبل الذي يتشبث به كل غريق، وهو التمسك بمجرد تقليد الآباء؛ أي: وجدنا آباءنا يعبدونها، فعبدناها، اقتداء بهم، ومشيا على طريقتهم، وهكذا يجيب هؤلاء المقلدة، من أهل هذه الملة الإسلامية، وإن العالم بالكتاب والسنة؛ إذا أنكر عليهم العمل، بمحض الرأي، المدفوع بالدليل .. قالوا: هذا قد قال به إمامنا الذي وجدنا آباءنا له مقلدين، وبرأيه آخذين،