54 -وجوابهم، هو ما أجاب به الخليل هاهنا بقوله: {قَالَ} لهم إبراهيم - عليه السلام -: والله {لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} وأسلافكم الذين سنوا لكم هذه السنة الباطلة {فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} ؛ أي: في خطأ بيّن، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء ذلك، فإن قوم إبراهيم عبدوا الأصنام. التي لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، وليس بعد هذا الضلال ضلال، ولا يساوي هذا الخسران خسران.
وقال آخر أيضًا:
يَأْبَى الْفَتَى إِلَّا اتِّبَاعَ الْهَوَى ... وَمَنْهَجُ الحَقِّ لَهُ وَاضِحُ
55 -ثم لمَّا سمع أولئك الكفرة مقالة الخليل {قَالُوا أَجِئْتَنَا} أنت فيما تقول لنا {بِالْحَقِّ} والصدق والجد {أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} والمازحين بنا، فتقول ما تقول على وجه المزاح واللعب، حسبوا أنهم، إنما أنكر عليهم دينهم القديم، مع كثرتهم وشوكتم على وجه المزاح واللعب. وفي إيراد الشق الثاني بالجملة الاسمية الدالة على الثبات إيذان برجحانه عندهم، اهـ شيخنا.
والاستفهام فيه استفهام تعجب واستبعاد؛ أي: قالوا له حين سمعوا مقالته، مستبعدين أنهم في ضلال، ومتعجبين من تضليله إياهم: أجادُّ أنت فيما تقول، أم أنت لاعبٌ مازحٌ. فإنّا لم نسمع بمثله من قبل.
وخلاصة هذا: أنهم لما سمعوا منه، ما يدل على تحقير آلهتهم وتضليله إياهم، وشاهدوا منه الجد في القول، والغلظة فيه، طلبوا منه الدليل على صدق ما يقول: إن كان جادًّا، ثم ارتقوا من هذا، إلى بيان أنه هازل لاعبٌ، كما هو دأبه وعادته من قبل، ولا يقصد بذلك إظهار حق ألبتة. وفيه إشارة لطيفة، وهي كما أن أهل الصدق والطلب يرون أهل الدنيا لاعبين، والدنيا لعبًا ولهوًا، كقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} كذلك أهل الدنيا، يرون أهل الدين لاعبين، والدين لعبًا ولهوًا.