لقد استغرق الضلال قلوبهم، وسد مسامع الإدراك في أفكارهم، فحسبوا أن ذلك هو الحق وهو الضلال بعينه، قالوا مستفهمين (أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ) والاستفهام هنا بمعنى النفي، فهو لإنكار الوقوع، ومعناه: ما جئتنا بالحق، بل أنت من اللاعبين، و (أَمْ) للإضراب عن كلامه الحق إذ قد صمت آذانهم عنه، (أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) واستأنفوا كلاما جديدا، وحكموا بأنه من اللاعبين أي أنه يهزل بهذا الكلام، ولا يجدّ، ووصفوه بوصف مستمر وهو أنه من اللاعبين، ولصغره، حيث إنه كان بالنسبة لهم صغير السن، وقد أكدوا لعبه بالجملة الاسمية، وبـ"أنت"، وبإدخاله في صفوف الهازلين؛ لأنهم لَا يعيرون كلامه التفاتا، ولا يجعلون له غاية.
انتقل بهم خليل الله من مرتبة الاستنكار إلى مرتبة الإيجاب؛ لأن التخلية قبل التحلية، فبين لهم مَن الله الذي يعبده وتجب عبادته.
(قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ(56)
(بَل) للإضراب والرد، وإبطال عبادتهم وبيان أن التماثيل ليست أربابا، بل الرب واحد وهو رب السماوات والأرض الذي قام عليهن، وربَّهما وهو الحي القيوم (الَّذِي فَطَرَهُنَّ) الذي خلقهن من عدم وأنشأهن في هذا الوجود، وعبر بقوله: (فَطَرَهُنَّ) بدل خلقهن للإشارة إلى أنه شق الأرض من السماء، أو شق الوجود كله
من وحدة كانت تجمعه، كما قال تعالى من قبل في هذه السورة: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) ، وقد ذكرنا هذا المعنى في هذه الآية.
وقد أكد - عليه السلام - أن هذا هو ربهم، وليست تلك التماثيل بأنه يعلم ذلك، ويؤكد لهم علمه فقال الخليل عليه السلام: (وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) هذا تأكيد لعلمه بذلك وهو الثقة فيهم والمرشد الأمين عندهم وأنه لَا يكذبهم فيما يقول: (وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) يلاحظ فيها أمور ثلاثة: