لكن قوله: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا الأرض ...} [الإسراء: 104] فلم تُعيَّن ، فدلَّ ذلك على أنها الأرض عامة ، اسكنوا كُلَّ الأرض ، يعني: تبعثروا فيها ، ليس لكم فيها وطن مستقل ، كما قال في آية أخرى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً ...} [الأعراف: 168] .
فإذا أراد الله تجمعوا من الشتات {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة ...} [الإسراء: 104] أي: المرة التي سينتصرون فيها {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} [الإسراء: 104] وهكذا يتجمَّعون في مكان واحد ، فيسْهُلُ القضاء عليهم .
ومعنى {بَارَكْنَا فِيهَا ...} [الأنبياء: 71] البركة قد تكون مادية أو معنوية ، وهي الزروع والثمار والأنهار والخيرات ، أو بركة معنوية ، وهي بركة القِيَم في الأرض المقدسة ، وهي أرض الأنبياء ، ومعالم النبوة والرسالات .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ...} .
يعطينا الحق سبحانه هنا لقطةً من قصة إبراهيم لكن بعيدة عَمّا نحن بصدده من الحديث عنه ، فقد وهب الله لإبراهيم إسحق لما دعا الله قال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين} [الصافات: 100] مع أنه كان عنده إسماعيل ، لكن إسماعيل من هاجر ، وقد تحركت مشاعر الغَيْرة لدى سارة ، ووجدت في نفسها ما تجده النساء في مسألة الولد ، وكيف يكون لإبراهيم ولد من هاجر التي زوَّجتها له دون أن يكون لها مِثْله .
لذلك ألحَّتْ سارة على إبراهيم أن يدعو الله أنْ يرزقها الولد ، فدعا إبراهيم ربه ، وأراد الحق سبحانه أن يجيب إبراهيم ، وأن يُحقِّق له له ما ترجوه زوجته ، لكن أراد أن يعطيه هذا الولد في ملحظ عقدي يُسجَّل ولا يزول عن الأذهان أبداً ، ويظلُّ الولد مقترناً بالحادثة .