وفَرْق بين فِعْل العبد وفِعْل الحق سبحانه: فلو أنَّ في يدك مسدساً ، وأنت تُحسِن التصويب ، وأمامك الهدف ، ثم أطلقتَ تجاه الهدف رصاصة ، أَلَكَ تحكُّمٌ فيها بعد ذلك؟ أيمكن أنْ تأمرها أن تميلَ يميناً أو شمالاً؟
لكن الحق سبحانه يتحكّم فيها ، ويُسيِّرها كيف يشاء ، فالحق سبحانه خلق النار وخلق فيها خاصية الإحراق ، وهو وحده القادر على سَلْب هذه الخاصية منها ، فتكون ناراً بلا إحراق ، فليس للنار قيومية بذاتها .
لذلك يقول البعض: بمجرد أنْ صدر الأمر: {يانار كُونِي بَرْداً وسلاما ...} [الأنبياء: 69] انطفأت كل نار في الدنيا ، فلما قال: {على إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] أصبح الأمر خاصاً بنار إبراهيم دون غيرها ، فاشتعلت نيران عدا هذه النار . ونلحظ أن الحق سبحانه قيَّد بَرْداً بسلام ؛ لأن البرد المطلق يؤذي .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً ...} .
والمراد بالكيد هنا مسألة الإحراق ، ومعنى الكيد: تدبير خفيّ للعدو حتى لا يشعر بما يُدبَّر له ، فيحتاط للأمر ، والكيد يكون لصالح الشيء ، ويكون ضده ، ففي قوله تعالى: {كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ ...} [يوسف: 76] .
أي: لصالحه فلم يقُلْ: كِدْنا يوسف إنما كِدْنا له ، وقالوا في الكيد: إنه دليل ضعف وعدم قدرة على المواجهة ، فالذي يُدبِّر لغيره ، ويتآمر عليه خُفْية ما فعل ذلك إلاّ لعدم قدرته على مواجهته .
لذلك يقولون: أعوذ بالله من قبضة الضعيف ، فإنِّي قويٌّ على قبضة القوى . فإذا ما تمكّن الضعيف من الفرصة لا يدعها ؛ لأنه لا يضمنها في كل وقت ، أما القوى فواثق من قوته يستطيع أن ينال خَصْمه في أيِّ وقت ، ومن هنا قال الشاعر:
وَضَعِيفَةً فَإِذَا أَصَابَتْ فُرْصَة ... قتلتْ كَذلِكَ قْدْرَةُ الضِّعفَاءِ