وقال ابن شُمَيل نكست فلانًا في ذلك الأمر، أي رددته فيه بعد ما خرج. وهذا هو المعنى بالآية.
قال الكلبي: يقول: رجعوا على أمرهم الأول الشرك بالله بعد المعرفة والصدق من قول إبراهيم. وهذا معنى قول السدي: نكسوا في الكفر.
ومعنى قول ابن عباس: نكسوا في الفتنة.
والمعنى: ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم كما ينكس الذي يرد إلى أمره الأول بعدما خرج منه. وهذا معنى ما جاء في التفسير: أدركت القوم حيرة. أي: أنهم حاروا في الأمر فلم يهتدوا، وعادوا إلى التمادي في كفرهم. وقال الفراء: رجعوا عن قولهم عندما عرفوا من حُجة إبراهيم.
يعني: أنهم عرفوا حجة إبراهيم فأقروا على أنفسهم بالظلم، ثم رجعوا عن ذلك، وعادوا لكفرهم. هذا الذي ذكرنا معنى أحد القولين في {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ} وهو موافق لقول ابن عباس في تفسير {إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} .
القول الثاني في {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ} : أنهم طأطؤا رؤوسهم خجلة من إبراهيم حيث ظهرت حجته. وحكى الكلبي أيضًا هذا القول. واختاره بعض أهل المعاني فقال: نكسوا رؤوسهم خَجْلة. ويقال لمن أطرق: نكس بصره ونكس رأسه. ومنه قول الفرزدق:
وإذا الرجال رأوا يَزيدَ رأيتهم ... خُضْعَ الرقاب نَوَاكِس الأْبصَار
يعني: مطرقين مطأطئي الرؤوس. وكذلك من خجل واستحيا أو خزي وافتضح.
والقول هو الأول. ولو فعلوا هم ذلك خجلًا لقيل: ثم نكسوا رؤوسهم، فلما قيل: نكسوا على رؤوسهم، على الفعل الذي لم يسم فاعله، ظهر أن المعنى: رُدوا على ما كانوا عليه من أول الأمر.
وفيه إثبات للقضاء والقدر، وهو أن الله فعل ذلك بهم للشقاوة التي أدركتهم.
وقوله تعالى: {لَقَدْ عَلِمْتَ} فيه إضمار القول، أي: فقالوا لإبراهيم {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} .
قال ابن عباس: لقد علمت أن هذه الأصنام لا تتكلم.
قال الزجاج: اعترفوا بعجز ما يعبدونه عن النطق.