منتظم بالناس الظالمين الذين أسروا النجوى، وقالوا ما تقدم ذكره، فبشرهم لو قبلوا
البشرى بقوله: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ) .
ثم هددهم بما كان حكمه فيمن كان قبلهم من القرون الخالية والأمم الماضية،
يقول: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا ...(12) . يعني: من القرى (يَرْكُضُونَ)
يهربون يفرون، ثم حذف كلامًا معناه: يقال لهم: (لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا
أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) . أي: عما أصابكم في غير
أرضكم وحال اغترابكم من أوطانكم، حذف العبارة عن رجوعهم إلى قراهم
المهلكة بهم، وعزمة العذاب النازل عليهم.
وتجاوز ذلك إلى قوله: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ(14) . أقروا
بالذنوب واعترفوا بظلمهم، حين لا ينفعهم ذلك، ومن قبل كانوا يكفرون بالله
ويكذبون رسله، ويردون عليه كتبه.
يقول، عزَّ من قائل: (فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ(15)
ولو أنهم تضرعوا حين أخذهم في الهرب عن مواطنهم إلى غيرها
وتابوا إلى ربهم لكشف الله عنهم عذابه، يقول الله - جلَّ من قائل: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) .
قوله - تبارك وتعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ(16) . سبحانه وتعالى علوّا كبيرًا.
يقول - جلَّ من قائل: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا ...(17)
لو اتخذ جل ذكره من لدنه لم يكن إلا الحق (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ
عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ ... (18) . والحق هنا على بعض الوجوه هو قوله والعدم
بطل يقول للمعدوم المراد كن فيبطل بالكون العدم فيدمغه بذلك، يقول: (وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) .
قال الله - عزَّ من قائل: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ(27) .
(فصل)