وعن [...] كان وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن"
الصوت يتغنى بالقرآن"."
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"ليس منا من لم يتغن بالقرآن".
فليس القرآن بقرآن في حق من لها عنه، وليس من النبيين في شيء من حيث
الإنباء والنبوة من لم يتفهم القرآن، ولا رفع بما جاء به رأسًا، ولا يتسمع الله لهذا، فإنه
الحق ولا يقبل إلا على الحق - عز جلاله وتعالى علاؤه وشأنه - وفي حق هؤلاء
يكون التغي بالأشعار الحكمية حسنًا، فإن ذلك يؤيد حزب الحق في دولتهم، ويثير
كامنه في ساحات صدورهم، ولهذه العلة مالت النفوس من هؤلاء وهؤلاء إلى
إظهار ما فيها، والتعريف بما غلب عليها؛ لأنه كالشكوى، والمعهود من راحته.
وعلى هذا فالتدبر للأشعار التي هي الحكم تولد العلم، وتزيد في معرفة ما
المراد بها، ثم الغناء وتحسين الصوت يثير الكامن فيها كما تقدم، ومن أجل
ذلك ربما هامت النفوس وتواجدت، لأنها مغلوبة؛ ولما كان العقل والإيمان موضع
العلم واليقين وإن العلم يجل العلم ويبجله والإيمان إلى الوقار، وحسن الصمت
أقرب، وحزب الله الغالب.
ولهذا وأمثاله جاء ما جاء من التحريم، والنهي عن الغناء والترخيص فيه،
والحض عليه والترغيب، وكان الإتقان على فضل الترتيل وطلب الفهم، ثم إذا
حصل الفهم فلا بأس بالغناء، لإثارة كمين الفهم وما لم يتحصل الفهم ولا موجود
الخوف والنهي فالغناء مكروه، ومنه محرم لما تقدم ذكره، فافهم.
إن الحي هو الذي تنزل عليه أرواح المعاني وتلج فيه، فتهش لها أخواتها
وتفرح بها ما هو فيه منها (إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا
يُنْذَرُونَ (45) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ...(3) . ليس هذا مما قاله أكثر
النحويين:"إن الفعل إذا تقدم الاسم وحد، وإذا تأخر ثني وجمع للضمير الذي"
يكون فيه"بل هو تخصيص من عموم قوله:"الناس"إذ من الناس الكافر ومنهم المؤمن، فبعض الناس هم الذين ظلموا."
وقوله: (وَأَسَرُّوا) وقد تقدم اسم الضمير الذي فيه في الناس، فكان تقدير