وقرأ ابن أبي عبلة:"محدثًا"و"محدث"على الثلاثة الأوجه، ومعنى ذِكر
الحدث هنا: حدوث تنزيله، وإنزاله من عند الله - جلَّ جلالُه - ، وأمًا من حيث هو كلام
لرب العالمين فهو قديم لم يزل.
وقوله: (اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ(2) لَاهِيَةً) قاربت هذه الصفة
صفاتنا، بل حققت وصف ما نحن عليه، أن الله - جل ذكره - قد وصفهم
بالاستماع، ولم يصف الكافرين بذلك، بل قال فيهم:"إنَّهم كانوا لا يَسْتَطيعُونَ"
السمع"وقال: (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا(7) . وما أرى"
والله أعلم إلا أن الله أنذر بما أصابنا، وأكثر أهل زماننا، وإنما يستمع الصوت
بالتلاوة لا المعنى المراد منه؛ لتخير الأصوات وننتقد المتغمين.
وذلك يلهي القلوب عن فهم الخطاب والتفطن ليس المراد، فإذا لهت القلوب
لم تتخلص إليها أرواح المعاني، لا سيما الكلام المعبر عن كلام رب العالمين الذي
هو الحق والوحي، لعزة المعنى وعظمة كلام رب العالمين، وتعاليه عن التنزيل
إلى قلوب الغافلين والمعرضين.
يقول الله - جلَّ من قائل: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا
مَا يُنْذَرُونَ (45) . وإذا انشحنت الصدور لهوًا، وغلب على القلوب الهوى،
فالتغني زائد في دأبها، وتحسين الأصوات أقوى لشقائها، لأن التغني وتحسين
الأصوات يثير ما هو كائن في النفوس، ومن صفاتها: الإصغاء للهوى وإن قادها
إلى الردى، ولذلك ما كره الغناء لها، ولا وأكثر القلوب اليوم مشحونة بالباطل
مملوءة لهوًا وهوى.
وأمَّا الترتيل فهو يثير الفهم، وبالفهم يكون مزيد اليقين، وحقائق العلوم وعن
مزيد الإيمأن يكون الوقار والحلم وحسن السمت، لأن الإيمان من الله، والله هو
الحق، ولاتصاله بنور الفطرة أثار كامنها، وكشف عن مكنونها، فانجلت عن
بصيرة القلوب غياهب غفلتها، وانزاح عنها ما تعلق بها من لهوها، لحلول النوم
ساحة القلوب، واستواء الحق المغروز في جبلته على كرسي الصدر، فهذا هو
المتوجه إليه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"زينوا القرآن بأصواتكم".