ضممت جناحيهم إلى القلب ضمّةً ... تموت الخوافي تحتها والقوادِمُ
وأنكر عليه الحاضرون ذلك بعد ما وعده الملك بجائزة عظيمة، وقالوا له: عكست التشبيه وأدخل رأسه في طوقه ساعة ثم استشهد بقول امرئ القيس:
فأدخل رأسه في طوقه ... وفكر ساعة ثم استشهدا
على عكسه التشبيه بقوله تعالى: وزاده إلى جائزته (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى(118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) الآية، فسكت الحاضرون، فقال سيف الدولة: الله أكبر وزاده في جائزته التي كان وعده بها خمسين دينارا.
قوله تعالى: {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْ ءَاتُهُمَا ... (121) }
إنما عوقب بها؛ لأن التعري وكشف العورة يظهر لكل أحد؛ بخلاف الجوع والعطش فإنه أمر خفي لَا يعلم به إلا صاحبه.
قوله تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) .
قال ابن عطية: إما أنه نهي أن يأكل من شجرة معينة وتركها وأكل من شجرة أخرى من جنسها، وقيل: إن النهي إنما كان على جهة الندب لَا على التحريم.
ورده بعضهم بأن العصيان إنما يصدق على فاعل المحرم، وأجاب بعضهم بأن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، بأن العصيان كان يطلق عندهم على فعل ما لَا يجوز فعله.
قوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ... (123) }
عقبه بالفاء إشارة إلى أن العداوة سبب في الهداية أو عداوته سبب في أن ينبعث إليهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق.
قال ابن عرفة: وهذه الآية عندي دالة على أن بعثة الرسل محض تفضيل من الله تعالى وليست واجبة؛ إذ لو كانت واجبة كما يقول المعتزلة لقال: فإذا يأتيكم مني هدى، فعبر باللفظ المقتضي للتحقيق.
قوله تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ) .
إن قلت: لم أعاد الظاهر، وهلا قال: فمن اتبعه فلا يضل ولا يشقى، فالجواب: أن الهدى الأول عام؛ كقوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) ، والثاني: خاص بدليل إضافته إلى الله تعالى فهي إضافة تشريف؛ أي فمن اتبع هداي الموصول إلى طريق الحق.
قوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ... (124) }
ولم يقل: عنه؛ لأن الإعراض عن ذكر الله يستلزم الإعراض عن الهدى بخلاف العكس.