قالوا: لأن الذكْر معناه أن تذكر الشيء بداية ؛ لأنه أمر مهم لا يُنسَى ، وهو ذِكْر لأنه يُسْتلهم ، ومن الذكر الاعتبار والتذكير ، والشيء لا يُذكر إلا إذا كان له أهمية ، هذه الأهمية تتناسب مع الأمر من حيث مُدّة أهميته ومقدار أهميته ، وكل ذكر لشيء في الدنيا قصارى أمره أنْ يعطيك خير الدنيا ، أمّا القرآن فهو الذكر الذي يعطيك خير الدنيا والآخرة ؛ لذلك فهو أهم ذكر يجب أنْ يظلَّ على بالك لا يُنسى أبداً .
إذن: فالقرآن ذِكْر ذُكر أولاً ، وذِكْر يُذكَر ثانياً ، ويستلهم ذكراً يشمل الزمن كله في الدنيا وفي الآخرة .
ثم يصف الحق تبارك وتعالى هذا الذكر ، فيقول: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ}
أعرض: نعرف أن الطول أبعد المسافات ، وأن العرض أقصر المسافات ؛ لذلك لما أراد الحق سبحانه أن يُصوِّر لنا اتساع مُلْكه سبحانه قال: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض} [آل عمران: 133] فأتى بالأوسع للأقل ، فإن كان عَرْضها السماوات والأرض ، فما بالك بطولها؟ لا بُدَّ أنه لا نهاية له .
والإنسان مِنّا له طول ، وله عرض ، ولا يميز العرض إلا الكتفان ، ودائماً مرآهما من الخلف ، لا من الأمام ؛ لذلك نجد الخياط إذا أراد أنْ يقيس لك الثوب قاسه من الخلف ، فعَرْض الإنسان مؤخرته من أعلى .
وبذلك يكون أعرض عن كذا ، يعني: تركه وذهب بعيداً عنه ، أو: أعطاه ظهره وانصرف عنه .
ومن ذلك ما نقوله (اديني عرض كتافك) يعني: در وجهك وانصرف عني ، فإنْ كان جالساً نقول (انقُضْ طولك أو اطول) أي: قم وأَرِني طولك ، كي تريني عرض أكتافك وتنصرف عني .