وجانب الطور الأيمن: مكان تلقِّي منهج السماء ، وهو مكان بعيد في الصحراء ، لا زرعَ فيه ولا ماء ؛ لذلك يضمن لهم ربُّهم عز وجل ما يُقِيتهم {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى} [طه: 80] .
المنّ: سائل أبيض يشبه العسل ، يتساقط مثل قطرات بلورية تشبه الندى على ورق الأشجار ، وفي الصباح يجمعونه كطعام حلو . وهذه النعمة ما زالت موجودة في العراق مثلاً ، وتقوم عليها صناعة كبيرة هي صناعة المنّ .
والسَّلْوى: طائر يشبه طائر السَّمان .
وهكذا وفَّر لهم الحق تبارك وتعالى مُقوِّمات الحياة بهذه المادة السُّكَّرية لذيذة الطعم تجمع بين القشدة مع عسل النحل ، وطائر شهي دون تعب منهم ، ودون مجهود ، بل يروْنَه بين أيديهم مُعَدّاً جاهزاً ، وكان المنتظر منهم أن يشكروا نعمة الله عليهم ، لكنهم اعترضوا عليها فقالوا:
{لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61] .
وفي سورة البقرة ذكر مع هذه النعمة التي صاحبتهم في جَدْب الصحراء نعمة أخرى ، فقال تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى} [البقرة: 57] أي: حَمْيانكم من وهج الشمس وحرارتها حين تسيرون في هذه الصحراء .
ونلحظ اختلاف السياق هنا {نَزَّلْنَا} ، وفي البقرة قال: {أنْزَلْنَا} ؛ ذلك لأن الحق تبارك وتعالى يعالج الموضوع في لقطات مختلفة من جميع زواياه ، فقوله {أنْزَلْنَا} تدل على التعدِّي الأول للفعل ، وقد يأتي لمرة واحدة ، إنما {نَزَّلنَا} فتدلُّ على التوالي في الإنزال .