مر بنا أن التقديم والتأخير جاء في القرآن لأسباب قد بيناها وهي تكاد أن تكون قواعد مطردة ولكن قد تشذ تلك القواعد شيئاً بسيطاً عن الاطراد المعهود, سنبينها باختصار مع بيان أسباب ذلك: فقد قدم هارون على موسى في سورة طه رعاية للفاصلة لأن المعهود المطرد تقديم موسى على هارون, وأما تقديم الأنعام في قوله: (تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُم ( [السجدة:27] فلأنه تقدم ذكر الزرع ,فناسب تقديم الأنعام ,بخلاف آية عبس فإنه تقدم فيها: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ( [عبس:24] فناسب تقديم لكم(8) .
وهكذا لو تقصينا الألفاظ التي تأخرت عن تقديمها المعهود لوجدنا الحكمة في ذلك واضحة جلية وليس المراد في هذا البحث استقصاء كل شاردة وواردة وإنما وضع لمسات بيانية يتضح منها المقصود علماً أنني قد أوردت في ثنايا هذا البحث بعض تلك الاستثناءات تجدها في مضانها والله تعالى أعلم.
السمع قبل البصر:
ورد في القرآن الكريم لفظي السمع والبصر معاً (19) تسعة عشر مرةً، وذكر في (17) سبعة عشر موضعاً لفظة السمع قبل البصر وقد بينا في أسباب التقديم والتأخير أن من بينها (التشريف) أي أن الله سبحانه قدم لفظة السمع على البصر لشرف السمع وأهميته ولا يخفى على أحد ممن تدبر وتأمل في هذه الحاسة العجيبة ولكن لنرى ما يقوله أصحاب الاختصاص:
1 -تبدأ وظيفة السمع بالعمل قبل وظيفة الإبصار. فقد تبين أن الجنين يبدأ بالسمع في نهاية الحمل وقد تأكد العلماء من ذلك بإجراء بعض التجارب حيث أصدروا بعض الأصوات القوية بجانب امرأة حامل في آخر أيام حملها، فتحرك الجنين استجابة لتلك الأصوات، بينما لا تبدأ عملية الإبصار إلا بعد الولادة بأيام قال تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( [الإنسان:2]