طبيعي أن يشتاط فرعون غضباً بعدما سمعه من سحرته ، فقد جمعهم لينصروه فإذا بهم يخذلونه ، بل ويُقوِّضون عرشه من أساسه فيؤمنون بإله غيره ، ويا ليتهم لما خذلوه سكتوا ، إنما يعلنونها صريحة عالية مدوية: {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى} [طه: 70] .
{قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ...} [طه: 71] فمع الخيبة التي مُنِي بها ما يزال يتمسك بفرعونيته وألوهيته ، ويهرب من الاستخزاء الذي حاق به ، يريد أن يعطي للقوم صورة المتماسك الذي لم تُؤثّر فيه هذه الأحداث ، فقال {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ} [طه: 71] فأنا كبيركم الذي علّمكم السحر ، وكان عليكم أنْ تحترموا أستاذيته ، وقد كنت سآذنُ لكم .
وكلمة (آمنتم) مادتها: أمِنَ . وقد أخذت حيزاً كبيراً في القرآن الكريم ، والأصل فيها: أمِنَ فلان آمناً يعني: اطمأن . فليس هناك ما يُخوّفه . لكن هذه المادة تأتي مرة ثلاثية (أَمِنَ) وتأتي مزيدة بالهمزة (آمن) .
وهذا الفعل يأتي متعدياً إلى المفعول مباشرة ، كما في قوله تعالى {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت * الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 34] يعني: آمن سكان مكة من الخوف .
وقد يتعدى بالباء كما في: آمنت بالله ، أو يتعدى باللام كما في قوله تعالى: {فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} [يونس: 83] وآمن له يعني: صدَّقه فيما جاء به .
إذن: لدينا: آمَنَهُ يعني أعطاه الأمن ، وآمن به: يعني اعتقده ، وآمن له: يعني صَدَّقه .
وقد تأتي أَمن وآمن بمعنى واحد ، كما في قول سيدنا يعقوب: {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ مِن قَبْلُ} [يوسف: 64] .
فلماذا اختلفت الصيغة من آمن إلى أمِن؟