قالوا: لأن قوله {كَمَآ أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ مِن قَبْلُ} [يوسف: 64] كانت تجربة أولى ، فجاء الفعل (أَمن) مُجرّداً على خلاف الحال في المرة الثانية ، فقد احتاجت إلى نوع من الاحتياط للأمر ، فقال {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ} [يوسف: 64] فزاد الهمزة للاحتياط .
فمعنى قول فرعون: {آمَنتُمْ لَهُ} [طه: 71] يعني أي: صدَّقتموه .
وتأمل هنا بلاغة القرآن في هذا التعبير {قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ} [طه: 71] ومَنِ الذي يقولها؟ إنه فرعون الآمر الناهي في قومه يتحدث الآن عن الإذن . وفَرْق بين أمر وأذن ، أمر بالشيء يعني: أنه يحب ما أمر به ، ويجب عليك أنت التنفيذ . أما الإذن فقد يكون في أمر لا يحبه ولا يريده ، فهو الآن يأذن ؛ لأنه لا يقدر على الأمر .
وما دُمْتُمْ قد آمنتم له قبل أن آذن لكم فلا بُدَّ أن يكون هو كبيركم الذي علّمكم السحر ، فكان وفاؤكم له ، واحترمتم هذا الكِبَر وساعدتموه على الفوز .
وهذا من فرعون سوء تعليل لواقع الإيمان ، ففي نظره أن موسى تفوّق عليهم ، لا لأنه يُجيد فنَّ السحر أكثر منهم ، إنما تفوّق عليهم لأنهم جاملوه وتواطأوا معه ؛ لأنه كبيرهم ومُعلِّمهم .
لذلك يتهدَّدهم قائلا: {فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل} [طه: 71] .
جاء هذا التهديد والوعيد جزاءً لهم ؛ لأنهم في نظره هزموه وخذوله في معركته الفاصلة أمام موسى عليه السلام ، ومعنى: {مِّنْ خِلاَفٍ} [طه: 71] الخِلاَف أن يأتي شيء على خلاف شيء آخر ، والكلام هنا عن الأيدي والأرجل ، فيكون المراد اليد اليمنى مع الرِّجْل اليسرى ، أو اليد اليُسْرى مع الرِّجْل اليُمْنى .