وخلاصة ذلك: أن الذي معك يا موسى معجزة إلهية، والذي معهم تمويه وتلفيق، ظاهر عليه الزور والبهتان، فكيف يتعارضان {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} ؛ أي: ولا ينال الساحر مقصوده بالسحر، خيرًا كان أو شرًا، حيثما كان، وأين أقبل من الأرض وعمل السحر فيها، وهو من تمام التعليل، ومعناه: لا يسعد الساحر حيث كان ولا يفوز، وليس معنى {لَا يُفْلِحُ} لا يستطيع السحر، بل إذا سحر فلا يفلح، ولا يأمن حيث وُجد، فذلك عدم فلاحه.
وقرأ الجمهور: {تلقف} بفتح اللام وتشديد القاف، مجزومًا على جواب الأمر، والأصل: تتلقف فحذف إحدى التائين، وقرأ ابن عامر كذلك، ويرفع الفاء على الاستئناف، أو على الحال من الملقى، كما مر، وقرأ أبو جعفر، وحفص، وعصمة عن عاصم {تَلْقَفْ} بإسكان اللام والفاء، وتخفيف القاف، وكان ابن كثير يشدد التاء، من {تلقف} يريد تتلقف، وقرأ ابن مسعود، وأبيُّ بن كعب، وسعيد بن جبير، وأبو رجاء: {تلقم} بالميم وقرأ الجمهور: {كَيْدُ} بالرفع على أن {مَا} موصولة بمعنى الذي، والعائد: محذوف، وقرأ مجاهد، وحميد، وزيد بن علي: {كيد سحر} بالنصب مفعولًا لـ {صنعوا} و {ما} مهيئة، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بحرية، والأعمش، وطلحة، وابن أبي ليلى، وابن عيسى، وابن جبير، وابن جريز: {كيد سحر} بكسر السين وسكون الحاء، وإضافة الكيد إلى السحر على الاتساع، من غير تقدير، أو بتقدير: ذي سحر، أو ذوي سحر أو هم لمشغولهم في سحرهم، كأنهم السحر بعينه وبذاته، أو بيِّن الكيد؛ لأنه يكون سحرًا وغير سحر، نظير علم فقه، وعلم نحو.
وقرأ الباقون: {كيد ساحر} بألف اسم فاعل من سحر، وأفرد {ساحر} من حيث إن فعل الجميع نوع واحد من السحر تلك الحبال والعصي، فكأنه صدر من ساحر واحد، لعدم اختلاف أنواعه، وقرأت فرقة: {أين أتى} ؛ أي: لا يظفر ببغيته حيث توجه وسلك. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 17/ 321 - 336} ...