63 -ثم بيَّن سبحانه خلاصة ما استقرت عليه آراؤهم بعد التناظر والتشاور بقوله: {قَالُوا ...} إلخ وكانت نجواهم هي قولهم: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} وقيل: إنهم تناجوا فيما بينهم، فقالوا: إن كان ما جاء به موسى سحرًا .. فسنغلبه، وإن كان من عند الله .. فسيكون له أمر، وقيل: الذي أسروه أنه: إذا غلبهم .. اتبعوه، قاله الفراء والزجاج.
وقيل: الذي أسروه أنهم لما سمعوا قول موسى: {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} : قالوا ما هذا بقول ساحر، وإن مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين إن النافية، والمشار إليه موسى وهارون؛ أي: قالت السحرة بطريق التناجي والإسرار فيما بينهم: إن هذان لساحران؛ أي: إن هذا الرجل وأخاه ساحران خبيران بصناعة السحر، وهما {يُرِيدَانِ أَنْ} يغلباكم وقومكم و {يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} ودياركم؛ أي: من أرض مصر بالغلبة والاستيلاء عليها {بِسِحْرِهِمَا} الذي أظهراه من قبل {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} المثلى: تأنيث الأمثل، وهو الأشرف, أي: ويذهبا بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب وأحسنها، بإظهار مذهبما، وإعلاء دينهما، يريدون مما كان عليه قوم فرعون، لقوله: {إِنِّي أَخَافُ إِنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ} لا طريقة السحر؛ لأنهم ما يعتقدونها ديناً، قال في"بحر العلوم": سموا مذهبهم بها لزيادة سرورهم، وكمال فرحهم بذلك، وأنه الذي تطمئن به نفوسهم، كما قال تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} قال الإِمام الراغب: الطريق: السبيل الذي يطرق بالأرجل ويضرب. اهـ.
وقيل المعنى: ويذهبا بأشراف قومكم بميلهم إليهما لغلبتهما، وهم بنو إسرائيل، فإنهم ذوو مال وعلم، ذكره في"المراح".
وخلاصة ما قالوه: التنفير بهما لوجوه ثلاثة:
1 -الطعن في نبوتهما، ونسبتهما إلى السحر، وكل ذي طبع سليم ينفر من السحر، وليبغض السحرة، ويعلم أن السحر لا بقاء له، ولا ينبغى اتباع من جاء به، ولا اعتناق مذهبه وطريقته.
2 -إن بغيتهما إخراجكم من أرضكم، ومفارقة الوطن شديدة الوطأة علي النفوس، ومن ثم قال فرعون: {أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى} .