وفي"التأويل": قال موسى للسحرة {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} بإتيان السحر في معرض المعجزة، ادعاءً بأن الله قد أعطانا مثل ما أعطى الأنبياء من المعجزة {فَيُسْحِتَكُمْ} ؛ أي: فيهلككم ويستأصلكم، يقال: أسحت الشيء، إذا أعدمه واستأصله {بِعَذَابٍ} هائل لا يقادر قدره؛ أي: بعذاب من عنده، لا يُبقي أحدًا منكم ولا يذر.
وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص، والأعمش، وطلحة، وابن جرير: {فَيُسْحِتَكُمْ} بضم الياء وكسر الحاء، ومن أسحت رباعيًا، وهي لغة بني تميم، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر، عن عاصم، ورويس، وابن عباعي: {فيسحتكم} بفتح الياء والحاء، من سحت ثلاثيًا، وهي لغة أهل الحجاز، يقال: سحت وأسحت، بمعنى، والسحت: الاستئصال.
{وَقَدْ خَابَ} ؛ أي: خسر وهلك {مَنِ افْتَرَى} واختلق على الله الكذب، كائنًا من كان، بأي وجه كان، ولم يُفلح في سعيه، ولم يصل إلى غرضه، فابتعدوا من اختلاق الأكاذيب، ولا تضلوا سواء السبيل، حتى لا يصيبكم ما أصاب المفترين {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) } .
62 -ولما سمع السحرة كلام موسى .. هاجهم وغاظهم كلامه: {فَتَنَازَعُوا} ؛ أي: تناظروا وتشاوروا {أَمْرَهُمْ} وعملهم الذي أريد منهم، من مغالبة موسى - عليه السلام - وتجاذبوا أطراف الكلام في كيفية المعارضة {بَيْنَهُمْ} وتفاوضوا ماذا يفعلون {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} ؛ أي: أخفوا المحادثة والمشاورة في ذلك عن موسى وأخيه هارون - عليهما السلام - لئلا يقفا عليه فيدافعاه؛ أي: وبالغوا في كتمان ما يقولون عن موسى وأخيه، حتى لا يسمعا ما يدور بينهم من القول والمشاورة، فيعدا للأمر عدته، ويهيئا وسائل الدفاع، ومن الطبيعي في مثل هذه الأحوال أن يُخفى أحد المتخاصمين كل ما يدبره من وسائل الفوز والفلج عن خصمه الآخر، والنجوى: المناجاة، يكون اسمًا ومصدرًا،