استنفذوا كل جهدهم وطاقتهم، وقد سحروا بفعلهم أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، وخُيِّل إلى موسى من سحرهم أن عصيهم تسعى، وما انقلبت حيات تسعى، بل هي على حقيقتها حبال وعصي، ولكن الأعين هي التي سحرت، ولذا قال تعالى في تأثير ذلك على موسى (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسعى) ولقد كان ذلك التخيل مفاجأة لموسى، ولذا عبر بـ (إذا) التي للمفاجأة، والمفاجأة ما كانت في تحول العِصِيّ إلى حيات، إنما كانت المفاجأة التي خيل إليه من سحرهم أنها تسعى، وكان موسى عليه السلام تتمثل فيه الطبيعة البشرية، والتخيل يؤثر في البشر وإن كان عنده الحق المبين، ولكن لَا تزول المفاجأة إلا بتأييد من الله، والله معه:
(فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى(67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا (فَأَوْجَسَ) معناها أضمر أو أحس أو خاف، وذلك لأنه فوجئ بأمر لم يكن قد ألفه واعتاده، وهو أن يرى تخيلا عصيا وحبالا
تتحول إلى حيات تسعى، ثم يرى الجماد يسعى ويتحرك يمينًا وشمالا، وأمامًا ووراءً، فهذا التحول المفاجئ للحس يرهب، و (خِيفَةً) "فِعْلة"من الخوف، قلبت الواو ياء لكسر ما قبلها وسكونها، أي صار في حال خوف وهيبة من المفاجأة، ولأنه خشي أن يؤثر ذلك في الجماهير الحاشدة، فتصدق هذا الإفك، ولقد كان الله معه، وعليما بحاله، فقال له مطمئنا: (لا تَخَفْ) ولذا قال تعالى:
(قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى(68)
أي أذهب عنك الهواجس التي اعترتك من المفاجأة لأننا معك، والعاقبة لك (إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى) في هذه المبارزة، وأفعل التفضيل ليس على بابه؛ لأنهم لَا علو عندهم، وإنما المراد أنك أنت الغالب على فرعون وملئه، وأنت المسيطر في الجولة، ومعك سلاح الغلب والسلطان، وهو المعجزة التي، في يمينك، ولذا قال له عز من قائل ينبهه إلى معجزته الأولى التي بجست الحجر وفلقت البحر، وما كان غافلا، بل إن الدهشة التي أوجس منها خيفة جعلته يحتاج إلى أن ينبهه الله تعالى فقال:
(وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ...(69)