وثانيها: أن يأتوا موسى صفا واحدا لَا ثلمة فيه ولا افتراق، فإن ذلك يزرع في نفسه الهيبة منكم، قالوا ذلك وكأنهم مقدمون على ميدان قتال.
والأمر الثالث: أنهم اتفقوا راغبين في الاستعلاء وأخذ الأجر من فرعون والاستعلاء بعزته الفرعونية وكبريائه الغاشمة، ولذا قالوا: (وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ منِ استَعْلَى) ، أي فاز برضا فرعون من استعلى على خصمه، والسين والتاء للطلب، أي
طلب العلو فعلا، وهذا حث على أن يشمروا عن ساعد الجد ليفوزوا برضا فرعون، ويستعلوا عنده باستعلائهم بالانتصار في هذا الميدان السحري، اتجهوا بعد ذلك إلى موسى وقالوا له: (. . . يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى(65) بادروه باسمه توددا له كما تودد من قبل فرعون، ولأنه كان عندهم من بيت فرعون من قبل، فله مكانته في نفوسهم الفرعونية، وحسن أدب منهم، لأنه قد شارفت نفوسهم الحقيقة وإن لم تدخلها، ولذا تنازعوا فيها، خاطبوه بأدب فقالوا
(. . . يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإمَّا أَن نَّكونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى) ، أي اختر لنفسك أحد الأمرين، إما أن تلقي أنت عصاك التي في يدك، وإما أن نكون أول من ألقى، قابل موسى الكليم أذبهم بكرمه وقد لمح من كلامهم بإشارة القول أنهم يريدون أن يبدءوا، إذ قالوا في تخييره (وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى) فنفذ رغبتهم المطوية في عباراتهم، ولأنه يريد أن يعرف ما عندهم قبل أن يعرفوا ما عنده؛ ولأن الترتيب الذي ألهمه الله تعالى به، أنها ستلقف ما يلقون، فكان الترتيب الطبيعي أن يلقوا هم أولا، فقال موسى
(. . . بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى(66)