وهذا لا يصح. فإن الله سبحانه ينشئ من الموت صورة كبش يذبح، كما ينشئ من الأعمال صورا يثاب بها صاحبها ويعاقب، والله تعالى ينشئ من الأعراض أجساما تكون الأعراض مادة لها. وينشئ من الأجسام أعراضا، كما ينشئ سبحانه من الأعراض أعراضا. ومن الأجسام أجساما.
فالأقسام الأربعة ممكنة مقدورة للرب تعالى، ولا يستلزم جمعا بين النقيضين، ولا شيئا من المحال، ولا حاجة إلى تكلف من قال: إن الذبح لملك الموت، فهذا كله من الاستدراك الفاسد على الله ورسوله، ومن التأويل الباطل الذي لا يوجبه عقل ولا نقل، وسببه: قلة الفهم لمراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من كلامه، فظن هذا القائل: أن لفظ الحديث يدل على أن نفس العرض يذبح.
وظن غالط آخر: أن العرض يعدم ويزول، ويصير مكانه جسم يذبح، ولم يهتد الفريقان إلى هذا القول الذي ذكرناه، وأن الله سبحانه ينشئ من الأعراض أجساما ويجعلها مادة لها، كما
في الصحيح عنه صلّى الله عليه وسلّم قال «تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان - الحديث»
فهذه هي القراءة التي ينشئ منها الله سبحانه غمامتين. وكذلك قوله
في الحديث الآخر «ما تذكرون من جلال الله: من تسبيحه وتحميده وتهليله؟ يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن» ذكره أحمد.
وكذلك قوله في عذاب القبر ونعيمه للصورة التي يراها المقبور «فيقول: من أنت؟
فيقول: أنا عملك الصالح، وأنا عملك السيء»
وهذا حقيقة لا خيال، ولكن الله سبحانه أنشأ للمؤمن من عمله صورة حسنة وللفاجر من عمله وصورة قبيحة.
وهل النور الذي يقسم بين المؤمنين يوم القيامة إلا نفس إيمانهم؟
أنشأ الله سبحانه لهم منه نورا يسعى بين أيديهم؟
فهذا أمر معقول، وإن لم يرد به النص، فورود النص به من باب تطابق العقل والسمع.
وقال سعيد عن قتادة: بلغنا أن نبي الله صلّى الله عليه وسلّم قال «إن المؤمن إذا اخرج من قبره صور الله له عمله في صورة حسنة وبشارة حسنة، فيقول له: من أنت؟
فو الله إني لأراك أمرأَ صدقٍ، فيقول: أنا عملك، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة.
وأما الكافر فإذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة، وبشارة سيئة، فيقول: من أنت؟ فو الله إني لأراك أمرأ سوء، فيقول له: أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار»
وقال مجاهد مثل ذلك.