وقوله: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ حرص على مصلحة الدين، فإن أقاربه كانوا مهملين للدين، فخاف بموته أن يضيع الدين، فطلب وليا يقوم بالدين من بعده، لا أنه سأل من يرث ماله لأن الأنبياء لا تورث للحديث المتقدم في الصحيحين: «إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة» ، وفي سنن أبي داود: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم» فتكون الوراثة على لسان زكريا هي وراثة الدين، وتكون مستعارة.
وقد ورث يحيى من آل يعقوب النبوة والحكمة والعلم والدين، كما أن سليمان ورث من داود الحكمة والعلم، ولم يرث منه مالا خلّفه له بعده.
5 -قوله تعالى: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا سؤال ودعاء، ولم يصرح بولد، لشيخوخته وعقم امرأته، قال قتادة: جرى له هذا الأمر وهو ابن بضع وسبعين سنة. وقال مقاتل: خمس وتسعين سنة، قال القرطبي: وهو أشبه، فقد كان غلب على ظنه أنه لا يولد له لكبره ولذلك قال: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا.
6 -يجوز الدعاء بالولد، ويجوز التضرع إلى الله في هداية الولد، اقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والفضلاء،
وقد دعا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لأنس خادمه فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته»
فدعا له بالبركة تحرزا مما يؤدي إليه الإكثار من الهلكة. وكان دعاء زكريا أن يجعل الولي الوارث له مرضيا في أخلاقه وأفعاله.
7 -دعاء زكريا عليه السلام لم يكن بالواسطة، وإنما كان يخاطب ربه مباشرة قائلا: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي، وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، فَهَبْ لِي، رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ.