وهو معنى قوله: أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً .. أي نزل بها قضاؤنا المقدر لهلاكها ليلا أو نهارا، فجعلناها كالأرض المحصودة، يابسة بعد الخضرة والنضارة، كأن لم تنبت، وكأنها ما كانت حينا قبل ذلك، وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن، كما قال تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ. أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأعراف 7/ 97 - 98] وقال تعالى إخبارا عن المهلكين: فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ، كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها [هود 11/ 67 - 68]
(وجاء في الحديث الذي أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أنس: «يؤتي بأنعم أهل الدنيا، فيغمس في النار غمسة، فيقال له: هل رأيت خيرا
قط؟ هل مرّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا، ويؤتى بأشد الناس عذابا في الدنيا، فيغمس في النعيم غمسة، ثم يقال له: هل رأيت بؤسا قط؟ فيقول: لا».
ثم قال تعالى: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ أي كهذا المثل المبين الذي يوضح حال الدنيا وسرعة زوالها، نبين الحجج والأدلة الدالة على إثبات التوحيد والجزاء وكل ما فيه صلاح الناس في معاشهم ومعادهم، لقوم يتفكرون في آيات الله أي يستعملون تفكيرهم وعقولهم في الاتعاظ والاعتبار بهذا المثل في زوال الدنيا عن أهلها زوالا سريعا، مع اغترارهم بها، وتمكنهم من خيراتها، فإن من طبعها الهرب ممن طلبها، والطلب لمن هرب منها.
وتشبيه الدنيا بنبات الأرض كثير في كتاب الله، مثل الآية السابقة في سورة الحديد، ومثل آية الكهف: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [45] وآية الزمر: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا، ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً، إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ [21] .