وإنما خص ذوى الطول بالذكر، تخليدا لمذمتهم واحتقارهم لأنه كان المتوقع منهم أن يتقدموا صفوف المجاهدين، لأنهم يملكون وسائل الجهاد والبذل، لا ليتخاذلوا ويعتذروا، ويقولوا ما قالوا مما يدل على جبنهم والتوائهم.
وقوله: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ زيادة في تحقيرهم وذمهم.
والخوالف: جمع خالفة، ويطلق على المرأة المتخلفة عن أعمال الرجال لضعفها، كما يطلق لفظ الخالفة - أيضا - على كل من لا خير فيه.
والمعنى: رضى هؤلاء المنافقون لأنفسهم، أن يبقوا في المدينة مع النساء، ومع كل من لا خير فيه من الناس، ولا يرضى بذلك إلا من هانت كرامته، وسقطت مروءته، وألف الذل والصغار.
وقوله وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ بيان لما ترتب على استمرارهم في النفاق، وعدم رجوعهم إلى طريق الحق.
أي: أنه ترتب على رسوخهم في النفاق، وإصرارهم على الفسوق والعصيان أن ختم الله
على قلوبهم، فصارت لا تفقه ما في الإيمان والجهاد من الخير والسعادة، وما في النفاق والشقاق من الشقاء والهلاك.
وقوله - سبحانه - لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ استدراك لبيان حال الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، بعد بيان حال المنافقين.
أي: إذا كان حال المنافقين كما وصفنا من جبن وتخاذل وهوان ... فإن حال المؤمنين ليس كذلك، فإنهم قد وقفوا إلى جانب رسولهم صلى الله عليه وسلم فجاهدوا معه بأموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله، وأطاعوه في السر والعلن، وآثروا ما عند الله على كل شيء في هذه الحياة ...
وقد بين - سبحانه - جزاءهم الكريم فقال: وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ أي: أولئك المؤمنون الصادقون لهم الخيرات التي تسر النفس، وتشرح الصدر في الدنيا والآخرة وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بسعادة الدارين.
«أعد الله» - تعالى - لهؤلاء المؤمنين الصادقين «جنات تجرى من» تحت ثمارها وأشجارها ومساكنها «الأنهار خالدين» في تلك الجنات خلودا أبديا، و «ذلك» العطاء الجزيل، هو «الفوز العظيم» الذي لا يدانيه فوز، ولا تقاربه سعادة.