لمن؟ قال:"الله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم"، وقرأ أبو حيوة: {إذا نصحوا الله ورسوله} بنصب الجلالة وجملة قوله: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} بالقول والفعل {مِنْ سَبِيلٍ} مُقرِّرةُ لمضمون ما سبق؛ أي: ليس على المعذورين المخلصين الناصحين من سبيل؛ أي: طريق عقاب، ومؤاخذةٍ على تخلفه؛ أي: ليس على من أحسن، فنصح لله ولرسوله، في تخلفه عن الجهاد بعذر قد أباحه الشارع، طريق يتطرق عليه فيعاقب عليه، والمعنى: إنه سد بإحسانه طريق العقاب عن نفسه.
و {من} في قوله {مِنْ سَبِيلٍ} مزيدة للتأكيد، وعلى هذا المعنى المذكور فيكون لفظ {الْمُحْسِنِينَ} موضوعًا موضع الضمير الراجع إلى المذكورين سابقًا، كأنه قال: ما عليهم من سبيل، ويحتمل أن يكون المراد ما على جنس المحسنين من سبيل، وهؤلاء المذكورون سابقًا من جملتهم، فتكون الجملة معللة.
ويستنبط من قوله: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} أنَّ كلَّ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، مخلصًا من قلبه، ليس عليه سبيل في نفسه وماله، إلا ما أباحه الشرع بدليل منفصل، وجملة قوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ} لمن تخلف عن الجهاد بعذر ظاهر أباحه الشرع {رَحِيمٌ} بجميع عباده جملة تذييلية،
ونحو الآية: قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} وقوله: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} .
والحاصل: أن التكليف بالغزو ساقط عن أصناف ثلاثة:
1 -الضعفاء: وهم من لا قوة لهم في أبدانهم تمكنهم من الجهاد، كالشيوخ والعجزة والنساء والصبيان، وذوي العاهات التي لا تزول، كالكساح والعمى والعرج.
2 -المرضى: وهم من عرضت لهم أمراض لا يتمكنون معها من الجهاد، وعذرهم ينتهي إذا شفوا منها.
3 -الفقراء: الذين لا يجدون ما ينفقون منه على أنفسهم إذا ما خرجوا، ولا ما يكفي عيالهم، وقد كان المؤمنون يجهزون أنفسهم للقتال، فالفقير ينفق على نفسه، والغني ينفق على نفسه وعلى غيره بقدر سعته، كما فعلوا في غزوة تبوك.