أي: انهم كرهوا أن يقاتلوا ، وكرهوا الجهاد . وليت الأمر قد اقتصر على هذا ، بل أرادوا أن يثبِّطوا المؤمنين ويُكرِّهوهم في القتال في سبيل الله {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر} فهم لم يكتفوا بموقفهم المخزي ، بل أخذوا في تحريض المؤمنين على عدم القتال . وقد كانت هذه الغزوة"غزوة تبوك"في أيام الحر . وكانت المدينة تمتلئ بظلال البساتين وثمارها ، بينما الطريق إلى الحدود مع الروم طويلة . إذن: فهي غزوة كلها مشتقة .
وقال المنافقون للمؤمنين {لاَ تَنفِرُواْ} ، والنفور هو كراهية الوجود لشيء ما . ويقال: فلان نافر من فلان ، أي: يكره وجوده معه في مكان واحد . ويقال: فلان بينه وبين فلان نفور ، أي: يكرهان وجودهما في مكان واحد . والذي يخرج للحرب كأنه نفر من المكان الذي يجلس فيه ذاهباً إلى مكان القتال . ويكون القتال والتضحية بالمال والنفس في سبيل الله أحب إليه من القعود والراحة .
إذن: فقوله تعالى: {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الحر} أي: أنهم يريدون أن يعطوا لأنفسهم عذراً لعدم الخروج للجهاد ؛ لأن الجو حار وفيه مشقة . ولكنهم أغبياء ؛ لأنهم لو خافوا من الحر ومشقته ؛ وجلسوا في الظل ومتعته ، لأعطوا لأنفسهم متعة زمنها قصير ليدخلوا إلى مشقة زمانها طويل .