والخلاف من ناحية الرأي هون عملية قلبية ، والخلاف من ناحية الحركة يشترك فيها القلب أو الجسد ، وهم حين فرحوا بالقعود بعد قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين للجهاد ، فهذا دليل على أن مسألة القعود هذه صادفت هوى في نفوسهم وارتاحوا لها وبذلك خالفوا شرط الإيمان ؛ لأن الذين يحق لهم أن يتخلفوا عن الجهاد قد حددهم القرآن الكريم في قول الحق سبحانه وتعالى: {لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ ...} [التوبة: 91]
وقوله: {وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ...} [التوبة: 92]
أي: أوضحت لهم أنك لا تملك ما يركبون عليه ، ليصلوا معك إلى موقع القتال . وقد بيّن لنا الحق حال هؤلاء الذين لم يخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب هذه الأعذار فقال عنهم:
{تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 92]
إذن فهؤلاء الذين تخلفوا بأعذار يملؤهم الحزن ، وتفيض أعينهم بالدمع ؛ لأنهم حرموا ثواب الجهاد في سبيل الله . أما الذين يفرحون بالتخلف عن الجهاد فهم منافقون .
وقوله سبحانه: {خِلاَفَ رَسُولِ الله} نجد فيه أيضاً أن كلمة {خِلاَفَ} تستعمل أيضاً بمعنى"بعد"، أي بعد رسول الله ، فما أن ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للغزوة قعدوا هم بعده ولم يذهبوا . وجلسوا مع الضعيف والمريض وأصحاب الأعذار الحقيقية ، وكذلك الذين لم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم دواب ليركبوها ، هؤلاء هم مَنْ تخلفوا . وبيّن الحق سبحانه سبب تخلف المنافقين فيقول: {وكرهوا أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله} .