وما دام هذا هو سلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلماذا تؤذونه وترهقونه؟
وفي اللغة ما يسمونه"القول بالموجب"، فإن قال لك واحد شيئاً تصدقه وتقول له: نعم ، ولكن قد تأخذها على مَحْمَل آخر ، فإن كان هناك إنسان يُكثِر الزيارة لإنسان ويقول له: أنا أثقلتُ عليك ، ويرد عليه: أنت أثقلتَ كَاهلي بأياديك ، أي أن أفضالك عليَّ كثيرة . وإن قال لك واحد:"أنا طولت عليك"، يرد عليه صديقه: لا ، أنت تطولت عليَّ ، أي: أعطيتني نعمة بأنك أسعدتني بمجلسك . إذن: فهو قد وافقه على وما قال ، ولكنه رد عليه بعكس ما قال .
وهم قد عابوا على الرسول أنه أذن ، فكأن أذنه تتحكم في كل تصرفاته ، وإن سمع شيئاً تأثر به . وإن سمع شيئاً ينغصه ينقلب موقفه من النقيض إلى النقيض . وحاولوا أن يدَّعوا أنه يصدق كل ما يسمعه ولا يحتاط تجاه من يبلغه ، وقالوا: إنه صلى الله عليه وسلم {أُذُنٌ} ، وردَّ الحق سبحانه {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ} وبطبيعة الحال لم يكن قول الحق موافقاً لما قالوه ؛ لأن"أُذُن"عندهم غير {أُذُن} التي أقرها الله سبحانه وتعالى .
وقد يقول بعض السطحيين: إن المنافقين قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {هُوَ أُذُنٌ} وهم يقصدون بذلك أنه يسمع ويصدق كل ما يقال له ، وليس من حكمة التمحيص والاختيار . لكن لنلتفت إلى أن الحق قد قال: {أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسمع إلا من الله ، وما يسمعه من الله أطاعه وطبَّقه ، وما سمعه من الناس ؛ عرضه على منهج الله ؛ فإن وافق المنهج نفذه ، وإن تعارض مع المنهج رفضه .
إذن: فهو أذن للخير لا يسمع إلا من الله ، ولا يأتي من رسالته إلا الخير لمن اتبعه .