ولكن لماذا لم يقل الحق سبحانه وتعالى: أذن خير للمؤمنين ، وقال: {أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} ؟ ؛ لأن خيرية رسول الله قد شملت الجميع ، وتعدَّتْ المؤمنين إلى المنافقين وإلى الكفار . فكان رسول الله صلى الله عليه لا يفضح منافقاً ، إلا إذا فضح الله المنافق بقرآن نزل من السماء .
وعلى سبيل المثال: كان المنافقون يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويعتذرون عن الجهاد في سبيل الله ؛ ويطلبون الإذن بالقعود . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم الإذن . وحين كان المنافقون يأتون إلى الرسول الكريم ويحلفون له كذباً ، كان يصدقهم ، أو على الأرجح لا يفضح كذبهم أمام الناس .
إذن: فالخيرية فيه عليه الصلاة والسلام شملت المنافقين ؛ لأن خُلُقَه الكريم أبى أن يفضحهم أمام الناس . أما الكفار فد شملتهم الخيرية أيضاً ؛ لأن دعوته لهم إلى الإسلام ، وإصراره صلى الله عليه وسلم على هذه الدعوة ، جعل عدداً من الكفار يسلم ويؤمن ، وأصابهم خير عميم من اعتدائهم لدين الحق . إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} أي: للبشرية كلها .
وهكذا فرق الحق سبحانه وتعالى بين ما يريدونه ، وما يقصده الله جل جلاله . هم قصدوا وصف الرسول أنه أذن سَمَّاعة . والله يقول: إنها أذن خير ؛ وهذا ما يسمونه في اللغة - كما قلنا -:"بالقول الموجب"، أي: أن تتفق مع خصمك فيما قاله ، إلا أنك تحول ما قاله من الشر إلى الخير . والمثال أيضاً فيما يقوله الحق سبحانه وتعالى على ألسنة المنافقين حين قالوا: {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل ...} [المنافقون: 8]