والشكر لا يكون إلا على النعمة ، فكأن وسائل الإدراك هذه مما تسمعه أو تراه ببصرك ، أو تدركه بفؤادك هي من نعم الله التي يجب أن نشكره عليها ؛ لأنها أعطتنا العلم الحسي بعد أن كنا لا نعلم شيئاً .
وإذا أطلقَ على الإنسان اسم جارحة من جوارحه ، فاعلم أن هذه الجارحة هي العمدة فيه ، فكأن قول المنافقين وصفاً للرسول {هُوَ أُذُنٌ} هو سَبٌّ للرسول ، وكان الواحد منهم يقول: احذروا أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكشف نفاقهم ويؤذيكم ؛ لأن محمداً عليه الصلاة والسلام في رأيهم يُصدِّق كل شي . أرادوا أن يتهموه صلى الله عليه وسلم أنه لا يمحص القول الذي يُنقل إليه ويصدق كل ما يقال له ، كما نقول نحن في العامية"فلان وِدَني"أي: يعطي أذنه لكل ما يقال له .
فيرد عليهم الله: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يستمع لمنهج السماء ويبلغه للبشر ليهدي أهل الأرض ، إذن: فهو خير للناس كلهم . وحتى إذا أخذنا كلامهم في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدقهم إن كذبوا عليه ، فهذا خير لهم ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يؤذيهم ، وهو صلى الله عليه وسلم {أُذُنُ خَيْرٍ} لأنه لا يسمع إلا من الله بالوحي . ولذلك قلنا: إن الحكمة من أمية رسول الله عليه الصلاة والسلام ، أنه لم يستمع من مُسَاو له ، وإنما كان علمه من الله . فإذا كانت الأمية فينا نحن نقيصة ؛ فإنها الكمال كله في حق رسول الله عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه لم يأخذ إلا من خالقه ، وهو اذن خير ؛ لأنه الأذن التي استمعت إلى آخر إرسال ينزل من السماء لهداية الأرض .
فإذا كان المنافقون قد قالوا: {هُوَ أُذُنٌ} فقد قال سبحانه: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} ، وهو خير يعود نفسه على البشرية كلها ، ولكن ليس بالمعنى الذي تعيبونه عليه ، فهو قد يسمع إساءاتكم ، ثم يسمع اعتذاركم فلا يؤذيكم ويعفو عنكم .