وَإِذَا كَانَ أَمْنُ الْعَالِمِ الْمُدَبِّرِ وَالصَّالِحِ الْمُتَعَبِّدِ مِنْ مَكْرِ اللهِ تَعَالَى جَهْلًا يُورِثُ الْخُسْرَ ، فَكَيْفَ حَالُ مَنْ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ ، وَهُوَ مُسْتَرْسِلٌ فِي مَعَاصِيهِ اتِّكَالًا عَلَى عَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ ؟ قَالَ تَعَالَى: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (41: 23) فَأَعْلَمُ النَّاسِ بِاللهِ وَأَعْبَدُهُمْ لَهُ وَأَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ هُمْ أَبْعَدُ خَلْقِهِ عَنِ الْأَمْنِ مِنْ مَكْرِهِ ؛ إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَأْمَنَ مِنْهُ إِلَّا مَنْ أَحَاطَ بِعِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا لِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا لِنَبِيٍّ مُرْسَلٍ: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (20: 110) أَلَمْ تَرَ إِلَى الرُّسُلِ الْكِرَامِ كَيْفَ كَانُوا يَسْتَثْنُونَ مَشِيئَتَهُ حَتَّى فِيمَا عَصَمَهُمْ مِنْهُ ؟ كَقَوْلِ شُعَيْبٍ الَّذِي حَكَاهُ اللهُ عَنْهُ قُبَيْلَ هَذِهِ الْآيَاتِ: قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا وَقَدْ كَانَ أَصْلَحُ الْبَشَرِ وَخَاتَمُ الرُّسُلِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ بِقَوْلِهِ:"يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ"كَمَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ ، وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَدْعُونَهُ بِقَوْلِهِ: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ