ويبدو أَن إِخبار الله تعالى الأُمم عن أعمالها، يكون - بتسليمهم - فرادى - كتب أَعمالهم التي تنطق عليهم أَولهم. أَو بإِخبار الملائكة لهم، والله تعالى أَعلم.
8 - {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} :
المراد من الموازين، الأعمال. والموازين جمع موزون، أَي مقدّر، والمراد من الوزن الحق، التقدير والقضاء العادل - كما قاله مجاهد، والأَعمش، والضحاك. واختاره كثير من المتأخرين.
واستعمال الوزن بمعنى القضاءِ والحكم والتقدير، شائع - لغة وعرفا - بطريق الكناية .. وممّن ذهب إِلى ذلك المعتزلة.
وحُجَّة أَصحاب هذا الرأى: أن الأعمال أَعراض تفنى. وعلى فرض بقائها، لا تقبل الوزن بالميزان المعروف، الذي لا توزن به إِلا الجواهر والأعيان.
وهذا هو رأْي المحققين.
والجمهور، على أَن الوزن حقيقي. ويكون لصحف الأعمال بميزان له لسانٌ وكفتان: ينظر إِليه الخلائق، تأْكيدا للحجة، وإِظهارًا للنصفة، وقطعا للمعذرة .. كما يسأَلهم الله عن أَعمالهم، فتعترف بها ألسنتُهم، وتشهد بها أَيديهم وأرجلهم وجلودهم - ويشهد عليهم كذلك: الأنبياءُ والملائكة وسائر الأَشهاد.
ومما يدل على صحة الرأْي الأَول، ما أَخرجه مسلم في صحيحه بسنده قال:
قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في النجوى؟ قال سمعته يقول:"يُدْنَى المؤْمِنُ مِنْ ربِّه يَوْمَ القِيَامة، حتى يضَعَ عليه كنَفَه فيُقَررُه بذنوبه"، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي ربِّ أعرف. قال فإن قد سترتها عليك في الدنيا، وإنى أغفرها لك اليوم، فَيُعطَى صحيفةَ حسناتِهِ ... وأما الكفار والمنافقون، فيناديهم على رءُوس الخلائق: هؤُلاءِ الذين كَذَبُوا على الله. {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} كما أن الكتب ليست هي الأعمال، فكيف يبين وزنها حقيقة هذه الأعمال من حسنات وسيئات؟
والاحتياط يقتضي التسليم بالوزن. أَما حقيقة هذا الوزن، فيُترك عليها إلى الله تعالى.