فالمعنى: وقضاءُ الله بين عباده في يوم القيامة وتقديرُه لأَعمالهم هو القضاءُ والتقديرُ الحقُّ، فَمَنْ رجحت أعمالُه، وكان لها وزنٌ وقيمةٌ لصلاحها، فأولئك هم الفائزون بالنجاة من العقاب، والحصول على جزيل الثواب.
والآية الكريمة قد حصرت الفلاح في الذين رجحت حسناتهم على سيئاتهم، بقولها: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
9 - {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} :
أي وَمَن خفّت أعماله، بأَن كانت لا وزن لها ولا قيمة - لكونها فاسدة - فأُولئك الذين خسروا أنفسهم؛ إذ غيَّروا فطرة الله التي فطرهم عليها كما فطر الناس. وهي فطرة حبِّ الحق، وجلب النفع، ودفع الضر. وقد أَبوا ذلك لأنفسهم، فكفروا، فاستحقوا العذاب، بسبب كونهم مستمرين على تكذيبهم بآيات الله، وَظلمِهم بجحدهم لها.
وصدق الله إذ يقول: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} .
{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ في الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10) } .
المفردات:
{مَكَّنَّاكُمْ في الْأَرْضِ} : جعلنا لكم فيها مكانا تستقرون فيه. أَو أقدرناكم على التصرف فيها.
{مَعَايِشَ} : أَسبابا للعيش.
التفسير.
10 - {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ في الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} :
لما أمر الله المكلفين عامَّة - وأَهل مكة خاصّة - باتباع ما أنزله إليهم، ونهاهم عن اتباع أَولياءِ الضلال، وبيَّن لهم أنهم - جميعًا - مسئولون عن ذلك، ومجزيون عليه، إِن خيرًا فخير، وإِن شرًّا فشر، عقَّب ذلك بتذكيرهم - جميعًا - بنعمه الموجبة لشكرهم إِيّاه سبحانه وتعالى: بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. فقال عزَّ من قائل:
{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ في الْأَرْضِ} :
أي: ولقد جعلنا لكم - في هذه الأرض - مكانا تستقرون فيه. وذلك نعمة كبرى يعرف قدرها من سُلِبُوها فَدَأبُوا على الارتحال.
أو المعنى: أَقدرناكم على التصرف فيها واستنباط خيراتها. بما أَودعنا فيكم من طاقات.
{وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} :