فخرجت بقوة تلك العزيمة، ولبست ثيابي وأخذت سلاحي، ودنوت من الصفوف، وحملت بقوة تلك العزيمة حملة وأنا لا أدري كيف أنا؟ فخرقت صفوف المسلمين وصفوف الروم حتى صرت من ورائهم، ثم كبرت تكبيرة فسمع الروم تكبيرا، فظنوا أن كمينا قد خرج عليهم من ورائهم، فولوا، وحمل عليهم المسلمون فقتل من الروم بسبب تكبيرتي تلك نحو أربعة آلاف، وجعل الله عز وجل ذلك سببا للفتح والنصر"انتهى."
3.من يقاتل طلبا لثواب الله من الجنة، وقصورها، ونسائها، ومنازلها، ومساكنها، وأنهارها، وهذا هو الغالب في المجاهدين، والغالب منهم في ذلك من يخرج طلبا للحور العين.
وهذه النية صحيحة بلا شك، والأدلة على ذلك كثيرة جدا، ولا يلتفت إلى كلام بعض الصوفية في القدح فيها، ولكنها أنقص مما قبلها، فهذه النية رجاء لثواب الله، وتلك النية محبة لله، والمحبة أفضل من الرجاء، لتعلقها بالمحبوب مباشرة، بخلاف الرجاء الذي هو تعلق بالثواب المخلوق، والأفضل الجمع بينهما ثم مجرد المحبة، وآخر المراتب مجرد الرجاء، فمراتب الناس:
• من يقاتل محبة لله تعالى وشوقا إليه، ورجاء لثوابه المخلوق والجنة، فهذا أفضل المراتب، بل قال ابن القيم في المدارج:"وهؤلاء خواص خلقه"انتهى كلامه.
• من يقاتل محبة لله تعالى وشوقا إليه فقط، بلا رجاء لثوابه، وهذا أنقص من الذي قبله، فإن الرجاء عبادة من العبادات القلبية، له فضله ومنزلته.
• من يقاتل رجاء لثواب الله تعالى من الجنة والحور العين وغيرها، فهذا أنقص المراتب، بل قال ابن القيم عنه في المدارج:"فهذا ناقص غاية النقص، وهو حال الجاهل بربه الذي سمع أن ثم جنة ونار، فليس في قلبه غير إرادة نعيم الجنة المخلوق، ولا يخطر بباله سواه البتة"انتهى كلامه.
فعلى عشاق الشهادة أن يتنبهوا لهذا الأمر، فهو وإن كان صاحب هذه النية شهيدا، فإنه مفضول، فعليهم أن يضيفوا إلى هذه النية محبة الله والشوق إليه، لكي يفضلوا ويشرفوا عند الله تعالى وعلى العباد، فهمة تعلقت بالخالق أعلى من همة تعلقت بالمخلوق.
4.من يقاتل خوفا من الله وعقابه: