وإذا تم النظر إلى هذه العبادات ما فيها من الأجور، وما في عبادة ستين سنة وخمسين حجة من الأجور وعلو الدرجات في الجنة، والشهادة فوق هذا كله.
للشهيد عند الله تعالى هدايتان، هداية قبل قتله، وهداية بعد قتله.
فأما الهداية قبل قتله، فإنه سيوفقه تعالى ذكره للعمل بما يرضى ويجدد له من أنواع الهداية إلى ما يحبه ويرضاه شيئا فشيئا إلى أن يُقتل، ويكون قد وُفِّق لأعمال كثيرة، وطاعات عظيمة.
وأما الهداية بعد مقتله في الآخرة إلى طريق الجنة ومنازلهم فيها، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} يونس.
وفي البخاري أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذّبوا ونقّوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا) .
قال تعالى: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ} محمد.
قال ابن القيم في شفاء العليل في تعليقه على هذه الآية:"فيحتمل أن لا يكون من هذا، وتكون الهداية في الآخرة إلى طريق الجنة، فإنه رتب هذا الجزاء على قتلهم، ويحتمل أن يكون منه ويكون قوله (سيهديهم ويصلح بالهم) إخبارا منه عما يفعله بهؤلاء الذين قتلوا في سبيله قبل أن يقتلوا، وأتى به بصيغة المستقبل إعلاما منه بأنه يجدد له كل وقت نوع من أنواع الهداية وإصلاح البال شيئا بعد شيء، فإن قلت فكيف يكون ذلك المستقبل خبر عن الذين قتلوا؟ قلت الخبر قوله (فلن يضل أعمالهم) أي لا يبطلها عليهم ولا يترهم إياها، هذا بعد أن قتلوا، ثم أخبر سبحانه خبرا مستأنفا عنهم أنه سيهديهم ويصلح بالهم لما علم أنهم سيقتلون في سبيله، وأنهم بذلوا أنفسهم له، فلهم جزآن جزاء في الدنيا بالهداية على الجهاد، وجزاء في الآخرة بدخول الجنة، فيرد السامع كل جملة إلى وقتها لظهور المعنى وعدم التباسه وهو في القرآن كثير والله أعلم"انتهى كلامه.