الأعمال تتفاضل عند الله تعالى بتفاضل النيات والإخلاص وما يكون في القلب من أعمال حال القيام بالعمل، فإن الرجلان قد يعملان عملا صورته واحدة ويكون ما بينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض، فرجل يصلي وقد استحضر عظمة الله ومراقبته وخشع له بقلبه ورق له ليس كمن يصلي وما في قلبه شيء من ذلك.
وأقوال العلماء في ذلك كثيرة فمن ذلك: قال المناوي في الفيض:"الأعمال عند الله تتفاضل بتفاضل ما في القلوب لا بكثرتها وصورتها"انتهى كلامه.
وقال شيخ الإسلام في المجموع:"والأعمال تفضل بنيات أصحابها وطاعتهم لله وما في قلوبهم من الإيمان بطاعتهم لله"انتهى كلامه.
وقد قدمنا مراتب النيات في الجهاد، وأنها تتفاضل، فمن جاهد بأعلى النيات واستشهد ليس كمن قاتل بنية دونها وقتل، فإن الأول أعظم درجة منه وأفضل، فمن قاتل محبة لله تعالى وشوقا إليه أعلى درجة ممن قاتل طلبا للجنة فقط.
قال ابن النحاس:"وإنما تفاوتت منازل أرواحهم - أي الشهداء - لتفاوت رتب إخلاصهم وسماحة أنفسهم بأنفسهم، وما كانوا عليه قبل حصول الشهادة من رتب الإسلام والإيمان والإحسان"انتهى كلامه.
وقال حافظ الحكمي:"أن شهداء المعركة الذين يقتلون في معركة الكفار ليسوا سواء، بل يتفاوتون بتفاوت نياتهم وما في قلوبهم، وذلك معلوم من الدين بالضرورة"انتهى كلامه من المعارج.
عندما بدأ الإسلام بدأ غريبا، منبوذا أهله بين المشركين، وأهله قليلون مسامون سوء العذاب والابتلاءات، ومشردون ومطاردون ومستضعفون، قليل مناصرهم ومعاونهم والواقف معهم، فمن آمن في ذلك الوقت - ولا يؤمن حينئذ إلا الصديقون - ليس كمن آمن من بعد قوة الإسلام وأهله وكثرة الأعوان والأنصار وانتشار الفتوحات وكثرة الأموال، ومن جاهد في ذلك الوقت ليس كمن جاهد من بعده، وكذا من أنفق، وذلك لشدة الحاجة إليهم وضعف المسلمين وغربتهم وقلة أعوانهم، وكون الإيمان