وقد ذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق:"أن بعض العلماء حكى له أنه رأى الفندلاوي في المنام، فقال له: ما فعل الله بك، وأين أنت؟ فقال: غفر لي، وأنا في جنات عدن على سرر متقابلين"انتهى كلامه.
الفوز هو الظفر بالخير والربح والنجاة، وهو يختلف بحسب المفوز به، فإن كان عظيما عظم الفوز والظفر، وإن كان حقيرا صغر الفوز.
والشهيد في سبيل الله فائز أعظم الفوز وأكبره، ولهذا سمى الله فوزه الفوز العظيم، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة، وقد أكده في الآية بالضمير بقوله (هو) فهو ظفر بأعظم الفضائل والخصال والكرامات، ونجا من العذاب والحساب والأهوال والمهالك.
فوزه عظيم لا يقدّر قدره من عظمته، والعظيم لا يعظم أي شيء، ولا يعظم إلا العظيم حقا.
وإذا كان الله عز وجل قد سمّى فوز المؤمنين في دخولهم الجنة وتكفير سيئاتهم بالفوز العظيم، كما قال تعالى: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا} الفتح، فكيف بفوز الشهيد الذي لا يقارن بفوز عامة المؤمنين، لا في الفضائل ولا في النجاة من المهالك وغيرها، فلا شك أنه من أعظم الفوز عند الله تعالى.
ولهذا لما طعن حرام بن ملحان قال: (فزت ورب الكعبة) فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (لما طعن حرام بن ملحان - وكان خاله - يوم بئر معونة قال بالدم هكذا، فنضحه على وجهه ورأسه، ثم قال: فزت ورب الكعبة) رواه البخاري، إشارة إلى أنه فاز بالشهادة وفضائلها الجمة.
وقد قال تعالى عن فضل: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) وهذا فضل من فضائل الشهيد العظيمة الوفيرة - وهو النجاة من النار ودخول الجنة - فماذا نقول عن فوز الشهيد؟