قد أعد الله في الجنة من أنواع النعيم من المأكولات والمشروبات والأرزاق والثمار والأنهار شيئا يعجز اللسان عن وصفه، فهناك أنهار الخمر، وهناك أنهار العسل، وأنهار اللبن، وأنهار الماء، وهناك الأشربة الطيبة، والعيون الجارية من شراب التسنيم والكافور والزنجبيل وغيرها، وهناك الأشجار الدانية، واللحوم الناعمة المشتهاة، والفواكه المتخيرة والكبيرة كما ورد أنها كقلال هجر وإذا قطفت أبدلت أخرى مكانها مباشرة، فلا تنقطع، وأنها من شجر عظام فيها من النعيم والظل ما لا يحيطه الوصف، فقد ورد أن الشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، وهناك سائر المتع وغير ذلك مما لا يحده الكلام ولا الكتاب.
والشهيد حي عند ربه وهو في الجنة، ومع كونه فيها فهو ينال من أرزاقها ما يشاء، فيشرب من أنهارها وينغمس فيها، ويأكل من ثمارها، وأنواع لذاتها ما تشتهيه نفسه وتلتذ به، كما قال تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} آل عمران.
ومما جاء من الأحاديث في رزق الشهيد حديث ابن عباس الذي سبق قال - صلى الله عليه وسلم: (لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مطعمهم ورأوا حسن منقلبهم ... ) رواه أبو داود والحاكم، وصححه، وصححه أحمد شاكر، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان ... ثم انطلق بي فإذا بغلمان يلعبون بين نهرين فقلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذراري المؤمنين ثم شرف لي شرف فإذا أنا بثلاثة نفر يشربون من خمر لهم قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة) رواه الحاكم، وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.
وروى ابن المبارك عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (الشهداء في قباب من رياض بفناء الجنة، يبعث لهم حوت وثور يعتركان، فيلهون بهما، فإذا اشتهوا الغداء عقر أحدهما صاحبه، فأكلوا من لحمه، يجدون في لحمه طعم كل طعام في الجنة، وفي لحم الحوت طعم كل شراب) وإسناده حسن.