أيضا في نفس الأسباب فأبى إلا أن يجمع أكثر الأسباب ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فذاك الذي بلغ الذروة العليا في الفضل وقارب الأنبياء في الدرجات والعلو، وذاك الذي لا يجارى في فضله ومنزلته.
إذا غامرت في شرف مروم ** فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير ** كطعم الموت في أمر عظيم
كما تفرد الله بالخلق كذلك تفرد بالاختيار، كما قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} القصص، والمراد بالاختيار هنا الاصطفاء والاجتباء كما ذكر ابن القيم.
فبعد أن خلق الله الخلق، اختار من خلقه واصطفى، فخلق السموات سبعا، واختار منها العليا واختصها بالقرب من كرسيه وعرشه، وجعلها مستقر المقربين من ملائكته، فلها فضل ومزية على سائر السموات.
وخلق الجنة درجات، واختار منها الفردوس الأعلى، فكان أفضل الجنة وأقربها إلى الله تعالى.
وخلق الملائكة، واختار منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل على سائر الملائكة، وقربهم إليه.
وخلق الأرض، واختار منها مكة والمدينة، وفضلها على سائر الأرض.
وخلق الشهور والأعوام، واختار منها رمضان، ففضله على سائر شهور السنة.
وخلق بني آدم، واختار منهم الرسل والأنبياء، ففضلهم على سائر بني آدم، واختار من بني آدم المسلمون، وفضلهم على سائر أجناسهم.
والله عز وجل لا يختار إلا الشريف الطيب من الذوات والأشياء، واختيار الله تعالى مبني على الحكمة، فهو الحكيم في خلقه وفي اختياره.