ومعنى جدثي: أي قبري.
فلو لم يكن في ذلك فضل لما دعوا به، ولا شك أن الرجل الشديد القوي الشجاع في القتال قتاله أخطر وأشق على النفس من قتال الجبان، فيمكن أن يدخل ذلك في المخاطرة السابق ذكرها.
أما ما ورد عن عمر رضي الله عنه أنه دعا أن لا يجعل قتله بيد رجل مسلم صلى لله سجدة كما في الموطأ، فقد قال شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية:"وما فعله أبو لؤلؤة كرامة في حق عمر رضي الله عنه وهو أعظم مما فعله ابن ملجم بعلي رضي الله عنه، وما فعله قتلة الحسين رضي الله عنه به، فإن أبا لؤلؤة كافر قتل عمر كما يقتل الكافر المؤمن، وهذه الشهادة أعظم من شهادة من يقتله مسلم فإن قتيل الكافر أعظم درجة من قتيل المسلمين"انتهى كلامه، وهذا يفيد تفضيل قتيل الكفار على قتيل المسلمين.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار أن مقصود عمر رضي الله عنه بذلك لأجل المخاصمة والمحاجة عند الله، بأن لا يكون للقاتل حجة عند الله بكونه مسلما، فيخفف عنه العذاب ولا يخلد في جهنم، كما هو مذكور في نفس الأثر حيث قال:"اللهم لا تجعل قتلي بيد رجل صلى لك سجدة واحدة يحاجني بها عندك يوم القيامة".
انتهت أسباب التفاضل، وأصحاب هؤلاء الأسباب يتفاضلون أيضا وليسوا على درجة واحدة، فبعضهم أفضل من بعض، ويمكن للشخص أن يجمع أكثر من سبب في شهادته، فتجد مثلا القتال في الصف والإقدام والجهاد بالنفس والمال وإفناء الجسد وكمال الإيمان وترك المعاصي وشرف الزمان والمكان والمخاطرة وغير ذلك يمكن أن تجتمع في آن واحد جميعا ويجمعها الشخص نفسه في شهادته.
وهذه الأسباب توفيق من الله واصطفاء داخل اصطفاء، فقد لا تسمح الظروف للشخص أن يحرز واحد منها فضلا عن أن يجمعها.
من الهمم العالية أن يطلب الشخص الشهادة، فعلو الشهادة أمر ظاهر معروف، وهناك أناس علت هممهم، لا أقول عند الثريا بل حتى بلغت الفردوس الأعلى، فلم يكتفوا بطلب الشهادة فقط حتى علت هممهم أعلى وأعلى فطلبوا أعلى منازل الشهداء وأعلى أنواع الشهادة، فلله درهم ما أبعد هممهم وأعلى مناطها، فبحثوا في أسباب التفاضل بين الشهداء وطبقوها على أنفسهم، وبعضهم علت هممهم