فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 672

الحمد لله الذي اصطفى من خلقه الشهداء، ووفقهم لمرضاته فكانوا من السعداء، وجعلهم عنده من المرزوقين الأحياء، وأعد لهم الدرجات العلى مع الصديقين والأنبياء، وزادهم فضلا فكانوا على أكثر الخلق فضلاء، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، والأولين والآخرين، المبعوث بالسيف بين يدي الساعة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، أما بعد:

فإن الله لما خلق الخلق لم يجعلهم على رتبة واحدة متساوية في الأعمال، ولم يجعل الناس أمة واحدة، بل قسم الخلق إلى مؤمنين وكفار، وإلى نبيين وصديقين وشهداء وصالحين وغير ذلك، كل بحسب عمله، وأقسم سبحانه أن سعينا وأعمالنا شتى مختلفة، وهذا من كمال حكمته وقدرته، وكذلك لما جازى الخلق على أعمالهم، لم يجعل الجزاء على درجة واحدة مهما كانت أعمالهم، فلم يجعل المسلمين كالمجرمين، ولا الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمسيء، ولا المقربين كأصحاب اليمين، وقد نفى الله التسوية في القرآن بين العالم وغيره، والخبيث والطيب، والأعمى والبصير، والظلمة والنور، والظل والحرور، وأصحاب الجنة وأصحاب النار، والأبكم العاجز الذي لا يقدر على شيء ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، وبين المؤمنين والكفار، والمتقين والفجار، وكذا لم يجعل الجنة درجة واحدة، بل درجات، وجعل لها وسطا وعلوا وربضا، ينالها الخلق بحسب أعمالهم، ولا النار دركة واحدة، بل دركات، يكون فيها الخلق بحسب أعمالهم، وقسم الناجين إلى مقتصدين وأصحاب يمين ومقربين وظالم لنفسه مبين، وفضل الرسل بعضهم على بعض، وعصاة الموحدين متفاوتون في النار بقدر ذنوبهم، متفاوتون في قدر ما تأخذ منهم، فمنهم من تأخذه إلى كعبيه، إلى أنصاف ساقيه، إلى ركبتيه، إلى حقويه، إلى كله إلا مواضع السجود، ومتفاوتون في مقدار لبثهم وسرعة خروجهم منها، فأفضل الخلق وأعلاهم أولوا العزم، وأدناهم المخلطون، وبين ذلك مراتب ودرجات.

ولما كانت الخلائق متفاوتين في هممهم، وكانت قيمتهم بحسب ما يطلبون، منهم من همته عالية تحوم حول العرش، بل قد جاوزت العرش إلى من استوى عليه، والقرب منه، لا ترضى نفسه بدون الفردوس منزلة، ولا يرضى بالدون والربض، وتأبى همته أن تكون مع عامة الخلق، قد سبقت همته أكثر الخلق، وقد جعل شهواته تحت أسر همته، فأصبح لا يشتهي إلا الوصول إلى هدفه وما يقربه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت