قد قدمنا لك يا أخي الفرق بين الإقدام والإقبال، وأن الإقدام هو المضي في الحرب والتقدم إلى العدو، فهو أخص من الإقبال، وعكسه الإحجام.
والإقدام شاق على النفوس، إذ هو أمر زائد على مجرد الصبر والثبات الذي هو شاق على النفوس أيضا.
وللإقدام في القتال - إذا كان في موضعه - أهمية وضرورة، فإنه مما تحسم به المعارك وينتصر به على الأعداء، فكم من حملة حمل بها المقدمون على عدوهم، فقضّوا جموعهم وهزموهم، وكان سبب ذلك - بعد الصبر- الإقدام.
وهو من أسباب تفاضل الشهداء، والدليل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم: (أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول، فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة، يضحك إليهم ربك، فإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه) رواه أحمد والطبراني عن نعيم بن هبار رضي الله عنه، وقال الهيثمي والبوصيري رجاله ثقات وصححه الألباني في صحيح الجامع، وصحح إسناده المناوي في التيسير.
فإنه قال: (لا يلفتون وجوههم) وفي رواية أبي يعلى (لا يقلبون وجوههم) وفي رواية (إن يُلقوا في الصف) فهم لما التقوا في الصف أقدموا ولم يقلبوا وجوههم، ومن زيادة إقدامهم وعدم خوفهم لم يلتفتوا حتى بوجوههم يمنة ولا يسرة إلى أن قتلوا.
وقد ذكر ابن النحاس هذا الحديث في باب فضل الانغماس.
وقد ورد في جعفر وزيد وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم أن جعفرا وزيدا أعلى من درجة ابن رواحة، لكونهما أقدما، وكان عند ابن رواحة بعض التردد، وإليك الأحاديث في ذلك: