وكان يخبرهم بما أعد الله للشهداء من الأجر العظيم في البرزخ والآخرة، لكي يطلبوا ذلك، والأحاديث على ذلك كثيرة، وذلك لحرصه على أمّته أن تسلك سبل الخير، ولما علم من فضل الشهادة العظيم، وأراد أن لا يفوت أمّته هذا الفضل، وأن ينهلوا منه أعظم منهل، وكفى بهذا شرفا للشهادة، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لن يحرض ويدعو ويحث ويؤكد بتكرار الفضائل إلا على أمر عظيم.
والبشارة تكون لما يسرّ في الأصل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لن يبشّر إلا بما يستحق التبشير، وبما يسرّ السرور الحقيقي، وبما فيه الخير، وكفى بهذا شرفا للشهادة أن يجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - من أعماله تبشير أصحابه بها، سواء الشهادة الدنيوية والآخروية، أم الأخروية فقط.
كما في حديث ابنة ثابت بن قيس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لثابت: (تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة) رواه أبو يعلى والطبراني، قال الهيثمي: وبنت ثابت بن قيس لم أعرفها وبقية رجاله رجال الصحيح والظاهر أن بنت ثابت بن قيس صحابية فإنها قالت: سمعت أبي والله أعلم.
وكذا بشّر عمر وعثمان رضي الله عنهما، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن نبى الله - صلى الله عليه وسلم - صعد أحدا، فتبعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فضربه نبى الله - صلى الله عليه وسلم - برجله وقال: (اثبت أحد فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان) رواه البخاري.
وعن جابر رضي الله عنه أن طلحة مر على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (شهيد يمشى على وجه الأرض) رواه ابن ماجه والترمذي.
وكذا ما جاء عن أم ورقة بنت عبد الله بن نوفل الأنصارية رضي الله عنها (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما غزا بدرا، قالت: قلت له يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم، لعل الله أن يرزقني شهادة، قال:(قري في بيتك، فإن الله تعالى يرزقك الشهادة) قال: فكانت تسمى الشهيدة، قال: وكانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تتخذ في دارها مؤذنا، فأذن لها، قال: وكانت قد دبرت غلاما لها وجارية، فقاما إليها بالليل، فغماها بقطيفة لها حتى ماتت، وذهبا، فأصبح عمر فقام في الناس فقال: من كان عنده من هذين علم أو من رآهما فليجئ بهما، فأمر بهما فصلبا، فكانا أول مصلوب بالمدينة) رواه أبو داود، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود.