فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 672

فدعاء الله لوحده سبب كاف في حصولها، وهذا من كرم الله وسعة فضله، لكنه مقيد بالصدق في السؤال كما في الأحاديث السابقة.

ومعنى الصدق في سؤال الشهادة، أن تكون إرادته لها وطلبه لها قويا تاما ثابت الحقيقة، كما يقال يخرج من قلب، ورجعنا في ذلك إلى كلام ابن القيم في المدارج في تعريف الصدق، فقال:"هو حصول الشيء وتمامه وكمال قوته واجتماع أجزائه، كما يقال عزيمة صادقة إذا كانت قوية تامة، وكذلك محبة صادقة وإرادة صادقة وكذا قولهم حلاوة صادقة إذا كانت قوية تامة ثابتة الحقيقة لم ينقص منها شيء، ومن هذا أيضا صدق الخبر لأنه وجود المخبر بتمام حقيقته في ذهن السامع .."ثم قال:"ومن هذا وصفهم الرمح بأنه صادق الكعوب إذا كانت كعوبة صلبة قوية ممتلئة"انتهى كلامه.

وعلى هذا فمن سأل الله الشهادة بمجرد لسانه، لا بقلب صادق بل بقلب غافل وإرادة ضعيفة، لا يعطى أجر الشهداء.

وقيد السؤال بالصدق لأنه معيار الأعمال ومفتاح بركاتها وبه ترجى ثمرتها، ذكر هذا المناوي في الفيض، وقال المناوي في الفيض:"لأن كلا منهما - أي الشهيد وسائل الشهادة - نوى خيرا وفعل ما يقدر عليه، فاستويا في أصل الأجر ولا يلزم من استوائهما فيه من هذه الجهة استواؤهما في كيفيته وصفاته على الحاصل للناوي الميت على فراشه وإن بلغ منزلة الشهيد، فهما وإن استويا في الأجر لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثرا زائدا وقربا خاصا وهو فضل الله يؤتيه من يشاء"انتهى كلامه، ومثل هذا يقال فيمن مات في سبيل الله كما سبق.

وملاحظ أنه قال في الحديث (منازل الشهداء) فجمع المنازل، ولم يقل منزلة، وذلك والله أعلم أن بلوغه للمنازل يختلف بحسب عمله، وطلبه أيضا، والشهادة درجات ومنازل متفاوتة كما سيأتي إن شاء الله، فبحسب عمله تكون منزلته، وبحسب طلبه تكون درجته، فمن طلب أعلى منازل الشهداء ليس كمن طلب منزلة الشهادة في الجملة.

الحادي والعشرون: المتمسك بالسنة في زمان الفتنة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت