وفضائلها، وأن التمني ليس مقصورا على الشهداء الذين استشهدوا، بل حتى عامة أهل الجنة يتمنون الشهادة.
هذا آخر فضل للشهيد في الجنة نذكره هنا، وهو من أعظم الفضائل، وهي الغاية التي اشتاق لها المحبون، ودأب بالعمل لأجلها الصالحون، وهي أعظم نعيم الجنة في الآخرة، ولا أعظم من نعيم رؤية الله تعالى كما سبق بيانه.
وهذه الرؤية والقرب ليست مثل رؤية البرزخ، بل هي أعظم وأعلى، ففيها جميع أهل الجنة يرون الله تعالى، ويخص أهل الدرجات العليا - ومنهم الشهداء - بمزيد من الإكرام والتشريف والقرب والعلو، فيقربون ويجلسون على المنابر والكراسي من الذهب والدر، ودونهم بقية أهل الجنة على الكثيب، وإليك يا أخي الحديث فهو أبلغ في الوصف:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل عليه السلام، وفى يده مرآة بيضاء فيها نكتة سوداء، فقلت: ما هذه يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدا ولقومك من بعدك، تكون أنت الأول، وتكون اليهود والنصارى من بعدك، قال: مالنا فيها؟ قال: لكم فيها خير، لكم فيها ساعة من دعا ربه فيها بخير هو له قسم إلا أعطاه إياه، وليس له بقسم إلا وادخر له ما هو أعظم منه أو تعوذ فيها من شر هو مكتوب إلا أعاذه من أعظم منه، قلت: ما هذه النكتة السوداء فيه؟ قال: هذه الساعة تقوم يوم الجمعة، وهو سيد الأيام عندنا، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد، قال قلت: لم تدعونه يوم المزيد؟ قال: إن ربك عز وجل اتخذ في الجنة واديا أفيح من المسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة نزل تبارك وتعالى من عليين على كرسيه، حتى حف الكرسي بمنابر من نور وجاء النبيون حتى يجلسوا عليها، ثم حف المنابر بكراسي من ذهب ثم جاء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا عليها، ثم يجئ أهل الجنة حتى يجلسوا على الكثيب، فيتجلى لهم تبارك وتعالى حتى ينظروا إلى وجهه وهو يقول: أنا الذى صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، هذا محل كرامتي فسلوني، فيسألوه الرضا، فيقول الله عزوجل: رضائي أحلكم دارى وأنالكم كرامتي، فسلوني، فيسألوه حتى تنتهى رغبتهم، فيفتح لهم