فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 672

في بعض الأعمال المحرمة يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - من بغضه لها تبرؤه ممن عملها ومقاطعته له وعدم الولاء الكامل له فيقول: (أنا بريء من كذا أو ممن فعل كذا) أو يقول: (ليس منا من فعل كذا) كقوله (من رغب عن سنتي فليس مني) رواه البخاري.

وفي بعض الأعمال الصالحة يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - من حبه لها كمال موالاته ومحبته لمن عملها، حتى كأنه بضعة منه، وإليه يُنسب، لإنه على طريقته ومنهجه، ومن ذلك عندما يجمع العبد بين الشهادة في سبيل الله مع الإثخان في الأعداء، فقد ورد عن أبي برزة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في مغزى له، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: (هل تفقدون من أحد؟) قالوا: نعم فلانا وفلانا وفلانا، ثم قال: (هل تفقدون من أحد؟) قالوا: نعم فلانا وفلانا وفلانا، ثم قال: (هل تفقدون من أحد؟) قالوا: لا، قال: (لكنّي أفقد جليبيبا فاطلبوه) فطُلب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فوقف عليه، فقال: (قتل سبعة ثم قتلوه هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه) قال: فوضعه على ساعديه ليس له إلا ساعدا النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (فحفر له ووضع في قبره، ولم يذكر غسلا) رواه مسلم.

فانظر إلى قوله (هذا مني وأنا منه) فهو من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه على طريقته ومنهجه ولولائه له، والنبي - صلى الله عليه وسلم - منه لكمال موالاته - صلى الله عليه وسلم - ومحبته له.

قال المناوي في الفيض:"قال الزمخشري معنى قولهم هو مني أي هو بعضي والغرض الدلالة على شدة الاتصال، وتمازج الأهواء، واتحاد المذاهب ومنه (فمن تبعني فإنه مني) "انتهى كلامه.

وقال شيخ الإسلام في المجموع:"قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي: (أنت مني وأنا منك) كما قال الله سبحانه: (بعضكم من بعض) أي أنتم نوع واحد، متفقون في القصد والهدى، كالروحين اللتين تتفقان في صفاتهما"انتهى كلامه، وهو في نفس المعنى الذي نحن بصدده.

وانظر إلى تأكيده لهذا المعنى مرتين، وكونه من جهتين، وكفى بذلك شرفا للشهيد المثخن في الأعداء أن يكون من النبي - صلى الله عليه وسلم - ينسبه إلى نفسه، ويَنسب النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه إلى ذاك الشهيد، ولم لا يكون من النبي - صلى الله عليه وسلم - ويكون النبي - صلى الله عليه وسلم - منه والنبي - صلى الله عليه وسلم - من زمرة الشهداء وقد مات شهيدا مثله؟ فهما على طريقة واحدة.

الفضيلة الثانية والعشرون: شدة محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - للشهيد وقرب الشهيد منه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت