كتب الله على ابن آدم عند موته أن يتعفن جسده، وتأكله الأرض والديدان، ولا يبقى شئ من جسده إلا عجب الذنب، وعند بعث الأجساد من قبورها يركب الجسد من هذا العظم وهو عجب الذنب حتى يكتمل وتبعث الأجساد بعد ذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب) رواه مسلم.
وهناك أناس أكرمهم الله واختصهم بكون الأرض لا تأكل أجسادهم بعد موتهم، ولا تسلط عليهم، وتبقى أجسادهم باقية على حالها إلى يوم البعث بلا نقص ولا تعفن، بل تتثنى كأنها جسد حي، ولا يتغير منها شئ، ويحفظها الله تعالى إلى يوم القيامة، ومن هؤلاء الأنبياء.
فعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الانبياء) رواه أبو داود والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن خزيمة كما نقله الحافظ في الفتح، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
ومن هؤلاء أيضا - وهو موضوع كلامنا - الشهداء، فإن الأرض لا تأكل أجسادهم، ولا تسلط عليهم، ولا تتعفن أجسادهم وهذا في الجملة ولا يلزم من ذلك الحكم لهم بالشهادة الأخروية كما لا يلزم من عدمه الحكم بعدم قبول الشهادة فقد يحصل هذا وهذا.
ولعل هذا من حكمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بدفن الشهيد بثيابه ودمائه وعدم نزعها عنه وغسله، لكي يبقى على هذه الهيئة ثم يبعث على هذا الأثر الذي يحبه الله يوم القيامة.
وأيضا فإن الشهيد حي ولحياته تعلق بجسده، فانظر إلى الصحابة الذين قتلوا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - كشفت قبورهم ووجدت أجسادهم محفوظة لم ينلها أي تغير، كما رواه ابن المبارك وعبد الرزاق في مصنفه كلاهما عن ابن عيينة عن أبي الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: (لما أراد معاوية أن يجري الكظامة قال: من كان له قتيل فليأت قتيله - يعني قتلى أحد - فأخرجهم رطابا يتثنون، قال فأصابت المسحاة رجل رجل منهم فانفطرت دما) وإسناده صحيح.