وأيضا فإنه شرف عظيم للشهيد على نظر الناس والخلائق أجمع في رؤيتهم لنوره.
وأيضا فإن نور الشهيد في الجنة من أعظم النور وأضوءه، والأدلة على ذلك ما سبق من قوله تعالى: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} فإن هذه الآية تعم نورهم في القيامة، ونورهم في الجنة، وأيضا ما سبق من أن وجوههم كالقمر ليلة البدر في النور والضياء والبهاء والجمال وأن ذلك يكون في الجنة.
فما أعظم هذا الفضل للشهيد حيث يكون عظيم النور في القيامة وفي الجنة، وزيادة على هذا تكون جنته أيضا عظيمة النور، فإن الشهيد درجته عالية في الجنة، وقد ذكر ابن القيم في الفوائد أنه كلما اقتُرب من العرش كلما عظم النور، فإن العرش هو أنور الكائنات، ولهذا أهل الجنة يتراءون أهل الغرف العليا - ومنهم الشهداء كما سيأتي بيانه إن شاء الله - كالكوكب الغابر مع بعد ما بينهم من الدرجات والمسافات، فكيف لو اقترب منهم ماذا يكون النور؟ ولو قدر أن البصر ينطمس هناك لانطمس من شدة نور الشهيد ونور جنته، وهو أهل لهذا الفضل بتضحيته في سبيل الله تعالى.
الحساب هو أن يوقف الله عباده بين يديه يوم القيامة ثم يسائلهم عن أعمالهم، فيوقف الله عباده بين يديه المؤمن والكافر والمطيع والعاصي ويعرفهم بأقوالهم وأعمالهم ثم يجازيهم بحسب أعمالهم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة والسيئة بمثلها.
ومشهد الحساب يوم القيامة مشهد عظيم لما فيه من الخوف والهول والرعب، فهناك تطيش عقول الناس وتصاب بالرعب الشديد مما ترى في صحائف الأعمال من مثاقيل الذر من حقوق العباد، قال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} الكهف.
وقال تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الجاثية.